التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقام السبع بنات: تاريخ من التضحية والإيمان في البهنسة

كتب يوسف احمد:

يقع مقام السبع بنات على أطراف مدينة البهنسة، بالقرب من جبل الجُنة، وهو جبل ارتبط أيضًا بأساطير محلية عن الشهداء والصالحين. يتسم المقام ببساطة معمارية واضحة؛ حيث تحيط به حوائط حجرية منخفضة، وتعلوه قبة صغيرة جددت على نفقة الأهالي المحبين للمكان. وعلى الرغم من عدم وجود لافتات رسمية أو توثيق أثري حديث، إلا أن الزوار يتوافدون عليه بدافع الإيمان والتوصيات الشفوية المتوارثة، وكأن بصيرة القلب تقودهم إليه أكثر من خرائط الطرق.

وفقًا للموروث الشعبي المحلي، يضم المقام رفات سبع فتيات استُشهدن خلال معركة الفتح الإسلامي لمصر، التي وقعت أحداثها في البهنسة بقيادة الصحابي الجليل قيس بن الحارث رضي الله عنه. وتتنوع الروايات الشعبية حول هويتهن؛ فبينما يرى البعض أنهن كن مجاهدات في صفوف المسلمين، قاتلن بشجاعة إلى جوار الصحابة والتابعين، يذهب آخرون إلى أنهن من بنات البهنسة أنفسهن، وقد وقفن إلى جانب الفاتحين المسلمين ضد الحكم البيزنطي.

ورغم غياب التوثيق التاريخي الدقيق، إلا أن المكان يحظى بقدسية عالية، ويقصده كثيرون للتقديس والدعاء، خاصة النساء، إذ يُنظر إلى السبع بنات كرموز للنقاء، والتضحية، والبركة. يقول الحاج مصطفى عبد اللطيف، أحد أعيان القرية: "من زمان والمقام دا له هيبة.. البنات ديّ من الشهيدات، وناس كتير بتيجي تزوره تتقدس فيه، خصوصًا الستات اللي بيطلبوا الذرية أو الفرج".

زيارة المقام تجربة روحانية خالصة؛ إذ يلف الصمت أجواءه، وتغمره هالة من السكينة، تعززها المكانة التاريخية للبهنسة، المعروفة بأنها "بقيع مصر" نظرًا لكثرة ما تضم من قبور الصحابة والتابعين الذين استشهدوا على أرضها. وبينما يعتبره البعض موقعًا أسطوريًا نسجته الحكايات الشعبية، يُصرّ أهالي البهنسة على أن المقام حقيقي، ويحمل بركة سبع مؤمنات خلدهن التاريخ في ذاكرة المكان.

تروي فاطمة، إحدى الزائرات القادمات من مغاغة: "أنا سمعت عن مقام السبع بنات من جدتي، وكنت دايمًا أحب أزوره.. بحس براحة هناك، وكأني بسلّم على أولياء الله"

رغم القيمة الروحية والتاريخية التي يحظى بها مقام السبع بنات، إلا أن الإهمال الرسمي يحول دون استثماره كمعلم سياحي بارز. فلا توجد لوحات إرشادية، ولا مواد تعريفية مخصصة للزائرين، ما يجعله مجهولًا لدى كثير من السياح، رغم قربه من المواقع التاريخية الأخرى داخل منطقة البهنسة، والتي تحتضن أيضًا مقام الصحابي الجليل زيد بن الحارث، ومقامات لشهداء معارك الفتح.

مقام السبع بنات ليس مجرد شاهد حجري صامت على الماضي، بل هو سجل حي لتضحيات نسائية عظيمة نُسيت وسط زحام الإهمال، وصوت خافت ينادي بإعادة اكتشاف كنوزنا المخبأة على أطراف التاريخ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

محافظة المنيا تتربع على عرش الكافيهات الراقية بلمسة أوروبية وإطلالة نيلية ساحرة

كتبت: ملك سعيد، هبة عادل تُعد محافظة المنيا واحدة من المحافظات المصرية التي شهدت مؤخرًا تطورًا ملحوظًا في قطاع الضيافة والترفيه، وخاصة في مجال الكافيهات، حيث تنوعت وتعددت الأماكن التي تقدم تجارب مميزة للزوار. وتمتاز كافيهات المنيا بقدرتها على الجمع بين الأجواء الراقية، والتصميمات الجذابة، والجودة العالية في تقديم المأكولات والمشروبات، مما حولها إلى وجهات محلية وسياحية تستقطب الزوار من داخل المحافظة وخارجها. من بين الكافيهات التي تركت بصمة واضحة، يبرز كافيه "كازابيلا" بطابعه الإيطالي الراقي، الذي يجمع بين الأناقة والهدوء. ينعكس هذا الطابع بوضوح في التصميم الداخلي الذي يتميز بالألوان الهادئة والديكورات الفخمة، حيث تخلق الإضاءات الدافئة وتفاصيل الورود المنتشرة بالمكان أجواءً من الفخامة والدفء، ليصبح خيارًا مثاليًا لتجمعات العائلة المبهجة أو اللقاءات الهادئة مع الأصدقاء، حيث يلتقي الذوق الرفيع بجمال الطراز الأوروبي. أما كافيه "تكية يونس"، فيمزج بين الطابع الشرقي الأصيل واللمسات العصرية الحديثة. الزخارف ذات الطابع المصري القديم تضفي على المكان جاذبية خاصة تأخذ الزائر في ...

باب الفتوح: معلم تاريخي فاطمي يعكس عبقرية العمارة العسكرية ويجسد دورًا دفاعيًا حيويًا للقاهرة

كتبت رندا كامل   باب الفتوح هو أحد المعالم التاريخية البارزة في القاهرة، وهو رمز لعبقرية العمارة الفاطمية وأحد أقدم أبواب المدينة التي تحمل الكثير من القصص والأحداث المهمة. بُني الباب ليكون نقطة دفاعية استراتيجية، كما كان مدخلًا رئيسيًا للعاصمة من الشمال. يعكس تصميمه الفريد ملامح العمارة العسكرية الفاطمية، مما جعله من أبرز معالم القاهرة القديمة. يقع باب الفتوح في بداية شارع المعز لدين الله الفاطمي. تم بناؤه عام ٤٨٠هـ / ١٠٨٧م، في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، على يد وزيره وقائد جيوشه بدر الجمالي. وقد أُنشئ هذا الباب بهدف تسهيل دخول الجيوش والوفود إلى العاصمة من الشمال، وتعزيز الدفاعات العسكرية للمدينة ضد التهديدات الخارجية. يُعد باب الفتوح نموذجًا فريدًا للهندسة المعمارية العسكرية في العصر الفاطمي. يتكون من برجين مستديرين على جانبي المدخل الرئيسي، وبينهما قوس ضخم يعكس الطابع الدفاعي في التصميم. يحتوي البرجان على غرف مراقبة وفتحات لرمي السهام، مما يبرز الدور العسكري الذي كان يمثله. كما توجد قاعة داخلية كبيرة كانت تُستخدم لتجمع الجنود وكبار الزوار قبل دخول المدينة، بالإضافة إلى ...

كنوز المتحف القبطي.. ستة عشر ألف مقتنى بترتيب زمني دقيق

  كتبت: منة الله هاشم يُعد المتحف القبطي بمثابة نافذة فريدة على تاريخ المسيحية في مصر، فهو أكبر متحف للآثار القبطية في العالم، وقد تم افتتاحه في سنة ١٩١٠. يضم المتحف مجموعات متنوعة ونادرة من الفن القبطي، الذي يحكي قصة امتزاج الفن المصري بالروح المسيحية، ويقع في قلب منطقة مصر القديمة، وتحديدًا داخل أسوار حصن بابليون، وهي منطقة تاريخية تحتضن بين جنباتها معالم دينية تمثل مختلف الأديان. بدأ تأسيس المتحف في زمن الفرس، لكن أُجريت عليه العديد من الإضافات في عهد الإمبراطورين الرومانيين أغسطس وتراجان، ثم استكمل الإضافات من جاء بعدهم من أباطرة الرومان. وقد لعب العالم الفرنسي "ماسبيرو" دورًا هامًا في نشأة المتحف، حيث عمل على جمع أعمال الفن القبطي وتخصيص قاعة لها داخل المتحف المصري. وبعد ذلك، طالب مرقس باشا سميكة عام ١٨٩٣م بأن تضم مجموعة الآثار القبطية إلى اهتمامات لجنة حفظ الآثار والفنون، وجاهد طويلاً حتى تمكن من إقامة المبنى الحالي للمتحف الذي افتُتح عام ١٩١٠، وعُيّن هو أول مدير له. أُنشئ المتحف على أرضٍ تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المشرقية، وقد أهداها له البابا كيرلس الخامس، وكا...