التخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللي اختشوا ماتوا" مثل شعبي ارتبط بحادثة الحريق في حمام السلطان اينال

كتبت فرح بهاء:

حمام السلطان إينال، من أقدم الحمامات الشعبية في القاهرة، حيث يبلغ عمره حوالي ٧٠٠ عام، ليبقى دليلًا على جمال العمارة في ذلك الوقت، وعادات اجتماعية قديمة اعتادها الناس منذ زمن بعيد.

يقع حمام السلطان الأشرف إينال بجوار المدرسة الكاملية في منطقة الجمالية بشارع المعز، ويُعد واحدًا من أهم المعالم الأثرية في القاهرة. بناه السلطان إينال عام ٨٦١هـ / ١٤٥٦م، واستلهم تصميمه من الطراز العثماني الذي كان يُعتمد في بناء الحمامات التقليدية، والتي كانت ترمز إلى الرفاهية والاسترخاء.

بدأ السلطان الأشرف إينال حياته في مناصب صغيرة حتى وصل إلى قيادة الجيش في عهد السلطان جقمق، ثم سنحت له الفرصة لتولي حكم مصر بعد خلع السلطان المنصور عثمان بن جقمق.

تميّز إينال ببعض الصفات الجيدة، مثل حرصه على تطبيق الشريعة فيما يخص أحكام القتل، وعدم ميله للتملق، لكنه كان أميًا لا يجيد القراءة، حتى إنه لم يكن قادرًا على قراءة الفاتحة، وكانت صلاته سريعة.

شهد عصره اضطرابات عديدة، حيث واجه سبع ثورات داخلية بسبب سياسته التي اعتمدت على تعيين المماليك الكبار في السن، الذين عرفوا بتمردهم وفسادهم، على عكس الحكام السابقين الذين كانوا يشترون المماليك الصغار ويربونهم على الولاء. كما دخل في صراع مع الخليفة العباسي القائم بأمر الله، مما أدى إلى نفيه وسجنه في الإسكندرية.

وعلى الصعيد الخارجي، أرسل السلطان إينال حملة عسكرية لمعاقبة إمارة بني قرمان، لكنها انتهت باعتذار أميرهم وعقد الصلح. كما أرسل أسطولًا بحريًا لحماية جزيرة قبرص، التي كانت تحت الحكم المصري، من الوقوع في أيدي الفرنجة.

أما عن آثاره المعمارية، فقد بنى مدرسة ومسجدًا وخانقاه في عهد المماليك، كما قام بتجديد مسجد الغمامة في المدينة المنورة، بالإضافة إلى الحمام.

ومن القصص الشهيرة المرتبطة بالحمام، يُقال إن حادثة نشوب حريق في أحد الحمامات العامة بالقاهرة، والتي يرجح أنها وقعت في حمام السلطان إينال، أدت إلى ظهور المثل الشهير: "اللي اختشوا ماتوا". وتروي الحكايات أن الحريق اندلع أثناء وجود الناس داخله، فهرب البعض دون انتظار ارتداء ملابسهم، بينما فضل آخرون البقاء حفاظًا على حيائهم، فلقوا مصرعهم. ومن هنا جاء المثل، الذي يُستخدم للتعبير عن أن أصحاب الحياء قد يكونون الأكثر تضررًا في بعض المواقف.

وخلال السنوات الأخيرة، خضع الحمام لعدة عمليات ترميم للحفاظ عليه وإعادته إلى حالته الأصلية، حيث شملت أعمال الترميم إعادة بناء الأجزاء المتهدمة مع الحفاظ على الطراز المعماري الأصلي، وترميم القباب والزجاج الملوّن الذي كان عنصرًا أساسيًا في الإضاءة الطبيعية للحمام، بالإضافة إلى إصلاح نظام التسخين، وإعادة تأهيل المستوقد الذي كان يُستخدم قديمًا لتدفئة المياه، وتقوية الجدران والأرضيات لحماية المبنى من التآكل والتدهور. كل هذه الجهود ساهمت في الحفاظ على أحد أهم معالم العصر المملوكي.

حمام السلطان إينال ليس مجرد مبنى أثري، بل هو تجسيد لحضارة عظيمة، ومعلم يبين ملامح الحياة الاجتماعية والمعمارية في العصر المملوكي. وبعد قرون من التحديات، لا يزال صامدًا، يروي حكايات الماضي، ويؤكد على أهمية الحفاظ على التراث كجزء لا يتجزأ من هوية هذا الوطن.

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المعز: شارع أثري في القاهرة القديمة يضم أكثر من ٢١٥ أثر إسلامي

  كتبت منة الله هاشم: يحمل شارع المعز لدين الله الفاطمي بين جنباته أكثر من ألف عام من الحضارة الأسلامية ليشكل وجدان شعبه، باعتباره أقدم وأطول شارع في العالم تزينه جواهر المعمار الإسلامي، كما يعد أكبر متحف إسلامي مفتوح في العالم ويوجد به حوالى ٢١٥ أثر إسلامي هام ويمتد شارع المعز من باب زويله بالدرب الاحمر مرورًا بالغورية وشارع الصاغة ووصولًا الى باب الفتوح بالجمالية.  يطلق أيضًا على شارع المعز اسم الشارع الأعظم أو بين القصرين أو قصبة القاهرة أو قصبة القاهرة الكبرى، فهو قلب مدينة القاهرة القديمة، يُعد الشارع حاليًا متحفًا مفتوحًا يضم مجموعة من آثار مدينة القاهرة الإسلامية في الفترة من القرن العاشر حتي القرن التاسع عشر بعد الميلاد، فضلاً عن الثراء المعماري وتنوعه بين العمارة الدينية والسكنية والتجارية والخيرية والعسكرية، يقع الشارع داخل نطاق القاهرة التاريخية التي تم إدراجها على قائمة مواقع التراث العالمي عام ١٩٧٩م. يضم الشارع نحو ٣٥ أثرًا إسلاميًا من مختلف العصور منها الفاطمي والمملوكي والعثماني، كما تضم الشوارع المتفرعة منه نحو ٤٣ أثرًا. تتنوع هذه الآثار بين القصور والمنازل وال...

كنوز المتحف القبطي.. ستة عشر ألف مقتنى بترتيب زمني دقيق

  كتبت: منة الله هاشم يُعد المتحف القبطي بمثابة نافذة فريدة على تاريخ المسيحية في مصر، فهو أكبر متحف للآثار القبطية في العالم، وقد تم افتتاحه في سنة ١٩١٠. يضم المتحف مجموعات متنوعة ونادرة من الفن القبطي، الذي يحكي قصة امتزاج الفن المصري بالروح المسيحية، ويقع في قلب منطقة مصر القديمة، وتحديدًا داخل أسوار حصن بابليون، وهي منطقة تاريخية تحتضن بين جنباتها معالم دينية تمثل مختلف الأديان. بدأ تأسيس المتحف في زمن الفرس، لكن أُجريت عليه العديد من الإضافات في عهد الإمبراطورين الرومانيين أغسطس وتراجان، ثم استكمل الإضافات من جاء بعدهم من أباطرة الرومان. وقد لعب العالم الفرنسي "ماسبيرو" دورًا هامًا في نشأة المتحف، حيث عمل على جمع أعمال الفن القبطي وتخصيص قاعة لها داخل المتحف المصري. وبعد ذلك، طالب مرقس باشا سميكة عام ١٨٩٣م بأن تضم مجموعة الآثار القبطية إلى اهتمامات لجنة حفظ الآثار والفنون، وجاهد طويلاً حتى تمكن من إقامة المبنى الحالي للمتحف الذي افتُتح عام ١٩١٠، وعُيّن هو أول مدير له. أُنشئ المتحف على أرضٍ تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المشرقية، وقد أهداها له البابا كيرلس الخامس، وكا...