التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراديب تونة الجبل: أكثر من مدافن لحيوانات مقدسة واحتفالات مرتبطة بالإله تحوت

 


كتبت هبة عادل ـ منة أحمد:

منطقة تونة الجبل، الواقعة غرب مدينة ملوي بمحافظة المنيا، تعتبر واحدة من أهم المواقع الأثرية في مصر، ليس فقط لما تحتويه من مقابر ونقوش وآثار تمتد إلى العصر اليوناني الروماني، بل لما تضمّه من عمق حضاري وديني وثقافي في فترة شديدة التميز من تاريخ مصر القديم. من بين أبرز معالم هذه المنطقة، تبرز السراديب الجنائزية، والتي تعد نموذجًا فريدًا في المعمار الجنائزي المرتبط بالعبادات والطقوس الدينية، خاصة تلك المرتبطة بالإله تحوت.

تعود أهمية السراديب في تونة الجبل إلى ارتباطها المباشر بمظاهر العبادة والطقوس الدينية التي كانت تمارس في إطار منظومة معقدة من المفاهيم المرتبطة بالحياة الأخرى، وإرضاء القوى الإلهية. وقد تم نحت هذه السراديب بعناية فائقة في باطن الأرض، وامتدت عبر ممرات طويلة متشابكة، بعضها يصل طوله إلى مئات الأمتار، وتتميز بجدرانها الصخرية ومداخلها الضيقة التي تقود إلى غرف جانبية عميقة.



تشير الدراسات الأثرية إلى أن هذه السراديب كانت مخصصة لحفظ مومياوات طائر "الإبيس"، الذي ارتبط بالإله تحوت، إله الحكمة والكتابة، والذي حظي بتقديس واسع خلال تلك الفترة. وقد عثر على الآلاف من هذه الطيور المحنطة داخل أوانٍ فخارية أو توابيت حجرية صغيرة، مما يدل على وجود طقوس دينية منتظمة كانت تهدف إلى التقرب من الإله، وضمان الحماية الإلهية في الحياة الأخرى. ومن الجدير بالذكر أن هذه السراديب لم تكن مجرد مدافن لحيوانات مقدسة، بل كانت تمارس فيها طقوس التقديم والدعاء، وربما الاحتفال بمناسبات دينية محددة مرتبطة بتحوت. ما كان يعكس مستوى عالٍ من التنظيم الديني. وتدل هذه الشواهد أيضًا على أن السراديب لم تستخدم لفترة قصيرة، بل كانت نشطة عبر أجيال متتالية، الأمر الذي يؤكد استمرار أهمية المكان كوجهة دينية ذات مكانة خاصة في نفوس المصريين القدماء.

المثير للاهتمام أن تخطيط هذه السراديب لم يكن عشوائيًا، بل اتبع نمطًا دقيقًا يعكس وعيًا معماريًا بالاحتياجات الدينية والطقسية. بعض السراديب احتوت على تجهيزات خاصة، كأماكن مخصصة لحرق البخور، أو مواضع لوضع القرابين، ما يشير إلى تطور الفكر الديني ودمج العناصر الطقسية بالمعمار الجنائزي.



كشفت أعمال الحفر والدراسة المستمرة في الموقع عن معلومات جديدة توضح لنا هذه السراديب ووظائفها، كما أن الاكتشافات الحديثة فتحت آفاقًا جديدة للبحث. ومع ذلك، فإن الغرض الأساسي من هذه السراديب ظل مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بتكريم تحوت وتخليد رموزه المقدسة.

 سراديب تونة الجبل ليست مجرد ممرات تحت الأرض أو قبور لحيوانات مقدسة، بل تُجسد جانبًا شديد العمق من الفكر الديني المصري القديم، حيث تتقاطع العقيدة مع المعمار، ويصبح المكان نفسه أداة للطقس والرمز والإيمان. وهي تمثل اليوم مرآة حقيقية لجزء من تراثنا الذي لا يزال يحتفظ بأسراره، وينتظر المزيد من البحث العلمي والتنقيب الأثري لاكتشاف أبعاده الكاملة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

محافظة المنيا تتربع على عرش الكافيهات الراقية بلمسة أوروبية وإطلالة نيلية ساحرة

كتبت: ملك سعيد، هبة عادل تُعد محافظة المنيا واحدة من المحافظات المصرية التي شهدت مؤخرًا تطورًا ملحوظًا في قطاع الضيافة والترفيه، وخاصة في مجال الكافيهات، حيث تنوعت وتعددت الأماكن التي تقدم تجارب مميزة للزوار. وتمتاز كافيهات المنيا بقدرتها على الجمع بين الأجواء الراقية، والتصميمات الجذابة، والجودة العالية في تقديم المأكولات والمشروبات، مما حولها إلى وجهات محلية وسياحية تستقطب الزوار من داخل المحافظة وخارجها. من بين الكافيهات التي تركت بصمة واضحة، يبرز كافيه "كازابيلا" بطابعه الإيطالي الراقي، الذي يجمع بين الأناقة والهدوء. ينعكس هذا الطابع بوضوح في التصميم الداخلي الذي يتميز بالألوان الهادئة والديكورات الفخمة، حيث تخلق الإضاءات الدافئة وتفاصيل الورود المنتشرة بالمكان أجواءً من الفخامة والدفء، ليصبح خيارًا مثاليًا لتجمعات العائلة المبهجة أو اللقاءات الهادئة مع الأصدقاء، حيث يلتقي الذوق الرفيع بجمال الطراز الأوروبي. أما كافيه "تكية يونس"، فيمزج بين الطابع الشرقي الأصيل واللمسات العصرية الحديثة. الزخارف ذات الطابع المصري القديم تضفي على المكان جاذبية خاصة تأخذ الزائر في ...

باب الفتوح: معلم تاريخي فاطمي يعكس عبقرية العمارة العسكرية ويجسد دورًا دفاعيًا حيويًا للقاهرة

كتبت رندا كامل   باب الفتوح هو أحد المعالم التاريخية البارزة في القاهرة، وهو رمز لعبقرية العمارة الفاطمية وأحد أقدم أبواب المدينة التي تحمل الكثير من القصص والأحداث المهمة. بُني الباب ليكون نقطة دفاعية استراتيجية، كما كان مدخلًا رئيسيًا للعاصمة من الشمال. يعكس تصميمه الفريد ملامح العمارة العسكرية الفاطمية، مما جعله من أبرز معالم القاهرة القديمة. يقع باب الفتوح في بداية شارع المعز لدين الله الفاطمي. تم بناؤه عام ٤٨٠هـ / ١٠٨٧م، في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، على يد وزيره وقائد جيوشه بدر الجمالي. وقد أُنشئ هذا الباب بهدف تسهيل دخول الجيوش والوفود إلى العاصمة من الشمال، وتعزيز الدفاعات العسكرية للمدينة ضد التهديدات الخارجية. يُعد باب الفتوح نموذجًا فريدًا للهندسة المعمارية العسكرية في العصر الفاطمي. يتكون من برجين مستديرين على جانبي المدخل الرئيسي، وبينهما قوس ضخم يعكس الطابع الدفاعي في التصميم. يحتوي البرجان على غرف مراقبة وفتحات لرمي السهام، مما يبرز الدور العسكري الذي كان يمثله. كما توجد قاعة داخلية كبيرة كانت تُستخدم لتجمع الجنود وكبار الزوار قبل دخول المدينة، بالإضافة إلى ...

كنوز المتحف القبطي.. ستة عشر ألف مقتنى بترتيب زمني دقيق

  كتبت: منة الله هاشم يُعد المتحف القبطي بمثابة نافذة فريدة على تاريخ المسيحية في مصر، فهو أكبر متحف للآثار القبطية في العالم، وقد تم افتتاحه في سنة ١٩١٠. يضم المتحف مجموعات متنوعة ونادرة من الفن القبطي، الذي يحكي قصة امتزاج الفن المصري بالروح المسيحية، ويقع في قلب منطقة مصر القديمة، وتحديدًا داخل أسوار حصن بابليون، وهي منطقة تاريخية تحتضن بين جنباتها معالم دينية تمثل مختلف الأديان. بدأ تأسيس المتحف في زمن الفرس، لكن أُجريت عليه العديد من الإضافات في عهد الإمبراطورين الرومانيين أغسطس وتراجان، ثم استكمل الإضافات من جاء بعدهم من أباطرة الرومان. وقد لعب العالم الفرنسي "ماسبيرو" دورًا هامًا في نشأة المتحف، حيث عمل على جمع أعمال الفن القبطي وتخصيص قاعة لها داخل المتحف المصري. وبعد ذلك، طالب مرقس باشا سميكة عام ١٨٩٣م بأن تضم مجموعة الآثار القبطية إلى اهتمامات لجنة حفظ الآثار والفنون، وجاهد طويلاً حتى تمكن من إقامة المبنى الحالي للمتحف الذي افتُتح عام ١٩١٠، وعُيّن هو أول مدير له. أُنشئ المتحف على أرضٍ تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المشرقية، وقد أهداها له البابا كيرلس الخامس، وكا...