التخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأزهر بين العقيدة الشيعية والمنهج السني

كتبت فرح بهاء – منة هاشم:

يعد جامع الأزهر أقدم جامعة عالمية متكاملة، وأحد أهم المساجد في مصر وأشهرها في العالم الإسلامي. استقبل المسجد على مر العصور ملايين الطلاب والمعلمين، حتى أصبح مركزًا أساسيًا للعلم ومصدرًا لنشر الفكر السليم عن الإسلام. وعلى مدار أكثر من ألف عام على إنشائه، استمر في أداء دوره الديني والعلمي، ولا يزال حتى اليوم أساسًا ومرجعًا لنشر الدعوة الإسلامية والتعريف بتعاليم الإسلام الصحيحة.

أنشئ جامع الأزهر على يد جوهر الصقلي، قائد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، في يوم ٢٤ جمادى الأولى عام ٣٥٩هـ، الموافق ٤ أبريل عام ٩٧٠م، أي بعد عام واحد من تأسيس مدينة القاهرة. واستغرق بناؤه ما يقرب من ٢٧ شهرًا، حيث افتتح للصلاة يوم الجمعة ٧ رمضان عام ٣٦١هـ. ولم يمض وقت طويل حتى تحول إلى جامعة علمية، وأُطلق عليه اسم "جامع الأزهر" نسبة إلى السيدة فاطمة الزهراء ابنة النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ وزوجة الإمام علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ التي ينتسب إليها الفاطميون كما يقال.

وبعد انتهاء دولة الفاطميين على يد السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي في الثالث من المحرم عام ٥٦٧هـ، عطل إقامة صلاة الجمعة في جامع الأزهر، وأنشأ عدة مدارس سنية لتنافسه في رسالته العلمية، في محاولة للقضاء على المذهب الشيعي في مصر. وقد استطاع بهذه الخطوة أن يعيد إلى مصر المذهب السني، فانتهت بذلك علاقة جامع الأزهر بالمذهب الشيعي.

وفي ظل الحكم المملوكي، شهد جامع الأزهر تغييرًا كبيرًا، حيث أعيدت فيه صلاة الجمعة عام ٦٦٥هـ، واتجه سلاطين المماليك إلى إعادة الأزهر لنشاطه العلمي، وتوجيه هذا النشاط ليكون وفق منهج أهل السنة (وفق المذاهب الأربعة). وقد تأثر جامع الأزهر في هذا العصر بالزعامة الدينية والعلمية معًا، وأصبح المركز الرئيسي للدراسات السنية في مصر والعالم الإسلامي، خاصة بعد سقوط بغداد في الشرق، وتزلزل الحكم الإسلامي في الأندلس وشمالي أفريقيا. وازدادت آمال المسلمين فيه، فقام بمهمته العلمية والدينية، وأصبح بمنزلة الجامعة الإسلامية الكبرى التي يقصدها طلاب العلم من كل أنحاء العالم، وأصبح مكانًا أساسيًا لعلماء العالم الإسلامي في مختلف بقاع الأرض.

وتعدّدت العلوم التي كانت تدرس بجامع الأزهر في ذلك الوقت، وتنوعت ما بين فروع العلوم العقدية والشرعية والعربية والعقلية، بالإضافة إلى دراسة علم التاريخ وغيرها من العلوم. وتم إنشاء ثلاث مدارس ألحقت بجامع الأزهر، وهي: (الطيبرسية، الآقبغاوية، الجوهرية)، مما أدى إلى زيادة أهمية العلم في جامع الأزهر. وكان من أهم ما ميز الأزهر في العصر المملوكي هو نشأة مساكن للطلبة الوافدين والمصريين فيه، عرفت بالأروقة (الغرف).

وأثناء الحكم العثماني لمصر، احتفظ جامع الأزهر على مدار ثلاثة قرون بقوته وتقاليده كما كانت من قبل، واستمر في أداء رسالته باللغة العربية في الناحيتين الدينية والتعليمية. واستمرت قوته، مما جعله يحافظ على الطابع العربي لمصر طوال فترة الحكم العثماني. كما أقبل عليه طلاب العلم من مختلف أنحاء العالم الإسلامي للاستفادة من مختلف المعارف التي كانت تدرس فيه. ومن أهم ما ميّز الأزهر في ذلك العصر هو ظهور منصب "شيخ الأزهر". وهكذا ظل الأزهر الشريف عبر القرون منارةً للعلم والدين، وقلعةً شامخة للدعوة الإسلامية الصحيحة، ومصدر إشعاع حضاري وفكري للعالم الإسلامي. لم يقتصر دوره على التعليم فقط، بل كان في طليعة الأحداث الوطنية والدينية، مدافعًا عن القضايا الإسلامية والإنسانية، وراعيًا للهوية العربية والإسلامية لمصر. وبفضل علمائه ومكانته، ظل الأزهر رمزًا للوسطية والاعتدال، وحصنًا منيعًا في وجه الانحراف الفكري والديني، وملهمًا للأجيال في السعي نحو التقدّم والنهوض بالأمة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

محافظة المنيا تتربع على عرش الكافيهات الراقية بلمسة أوروبية وإطلالة نيلية ساحرة

كتبت: ملك سعيد، هبة عادل تُعد محافظة المنيا واحدة من المحافظات المصرية التي شهدت مؤخرًا تطورًا ملحوظًا في قطاع الضيافة والترفيه، وخاصة في مجال الكافيهات، حيث تنوعت وتعددت الأماكن التي تقدم تجارب مميزة للزوار. وتمتاز كافيهات المنيا بقدرتها على الجمع بين الأجواء الراقية، والتصميمات الجذابة، والجودة العالية في تقديم المأكولات والمشروبات، مما حولها إلى وجهات محلية وسياحية تستقطب الزوار من داخل المحافظة وخارجها. من بين الكافيهات التي تركت بصمة واضحة، يبرز كافيه "كازابيلا" بطابعه الإيطالي الراقي، الذي يجمع بين الأناقة والهدوء. ينعكس هذا الطابع بوضوح في التصميم الداخلي الذي يتميز بالألوان الهادئة والديكورات الفخمة، حيث تخلق الإضاءات الدافئة وتفاصيل الورود المنتشرة بالمكان أجواءً من الفخامة والدفء، ليصبح خيارًا مثاليًا لتجمعات العائلة المبهجة أو اللقاءات الهادئة مع الأصدقاء، حيث يلتقي الذوق الرفيع بجمال الطراز الأوروبي. أما كافيه "تكية يونس"، فيمزج بين الطابع الشرقي الأصيل واللمسات العصرية الحديثة. الزخارف ذات الطابع المصري القديم تضفي على المكان جاذبية خاصة تأخذ الزائر في ...

باب الفتوح: معلم تاريخي فاطمي يعكس عبقرية العمارة العسكرية ويجسد دورًا دفاعيًا حيويًا للقاهرة

كتبت رندا كامل   باب الفتوح هو أحد المعالم التاريخية البارزة في القاهرة، وهو رمز لعبقرية العمارة الفاطمية وأحد أقدم أبواب المدينة التي تحمل الكثير من القصص والأحداث المهمة. بُني الباب ليكون نقطة دفاعية استراتيجية، كما كان مدخلًا رئيسيًا للعاصمة من الشمال. يعكس تصميمه الفريد ملامح العمارة العسكرية الفاطمية، مما جعله من أبرز معالم القاهرة القديمة. يقع باب الفتوح في بداية شارع المعز لدين الله الفاطمي. تم بناؤه عام ٤٨٠هـ / ١٠٨٧م، في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، على يد وزيره وقائد جيوشه بدر الجمالي. وقد أُنشئ هذا الباب بهدف تسهيل دخول الجيوش والوفود إلى العاصمة من الشمال، وتعزيز الدفاعات العسكرية للمدينة ضد التهديدات الخارجية. يُعد باب الفتوح نموذجًا فريدًا للهندسة المعمارية العسكرية في العصر الفاطمي. يتكون من برجين مستديرين على جانبي المدخل الرئيسي، وبينهما قوس ضخم يعكس الطابع الدفاعي في التصميم. يحتوي البرجان على غرف مراقبة وفتحات لرمي السهام، مما يبرز الدور العسكري الذي كان يمثله. كما توجد قاعة داخلية كبيرة كانت تُستخدم لتجمع الجنود وكبار الزوار قبل دخول المدينة، بالإضافة إلى ...

كنوز المتحف القبطي.. ستة عشر ألف مقتنى بترتيب زمني دقيق

  كتبت: منة الله هاشم يُعد المتحف القبطي بمثابة نافذة فريدة على تاريخ المسيحية في مصر، فهو أكبر متحف للآثار القبطية في العالم، وقد تم افتتاحه في سنة ١٩١٠. يضم المتحف مجموعات متنوعة ونادرة من الفن القبطي، الذي يحكي قصة امتزاج الفن المصري بالروح المسيحية، ويقع في قلب منطقة مصر القديمة، وتحديدًا داخل أسوار حصن بابليون، وهي منطقة تاريخية تحتضن بين جنباتها معالم دينية تمثل مختلف الأديان. بدأ تأسيس المتحف في زمن الفرس، لكن أُجريت عليه العديد من الإضافات في عهد الإمبراطورين الرومانيين أغسطس وتراجان، ثم استكمل الإضافات من جاء بعدهم من أباطرة الرومان. وقد لعب العالم الفرنسي "ماسبيرو" دورًا هامًا في نشأة المتحف، حيث عمل على جمع أعمال الفن القبطي وتخصيص قاعة لها داخل المتحف المصري. وبعد ذلك، طالب مرقس باشا سميكة عام ١٨٩٣م بأن تضم مجموعة الآثار القبطية إلى اهتمامات لجنة حفظ الآثار والفنون، وجاهد طويلاً حتى تمكن من إقامة المبنى الحالي للمتحف الذي افتُتح عام ١٩١٠، وعُيّن هو أول مدير له. أُنشئ المتحف على أرضٍ تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المشرقية، وقد أهداها له البابا كيرلس الخامس، وكا...