التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدرسة الكاملية: صرح علمي لمواجهة الفكر الشيعي واستعادة الهوية السنية



كتبت فرح بهاء :

في قلب القاهرة التاريخية، وتحديدًا في شارع المعز لدين الله الفاطمي، تقف المدرسة الكاملية شامخةً كواحدة من أبرز المعالم التعليمية والدينية في العصر الأيوبي، حاملة إرثًا علميًا وثقافيًا عظيمًا. أسسها الملك الكامل محمد بن العادل الأيوبي عام ٦٢٢هـ، لتكون قلعة من قلاع العلم الشرعي، وركيزة أساسية في إعادة نشر المذهب السني ومواجهة الفكر الشيعي الذي كان قد ترسخ خلال الحكم الفاطمي لمصر.

سميت المدرسة بـ"الكاملية" نسبة إلى مؤسسها الملك الكامل محمد، الذي يعد من أبرز سلاطين الدولة الأيوبية. وجاءت هذه الخطوة في إطار سعيه لإعادة مصر إلى المذهب السني، بعد فترة طويلة من سيطرة الفاطميين الذين نشروا الفكر الشيعي في مؤسسات الدولة ومجتمعها.

تم بناء المدرسة في شارع المعز لدين الله الفاطمي، وهو أحد الشوارع التاريخية الذي تميز بانتشار المساجد والمدارس خلال العصر الإسلامي، ما أتاح للمدرسة بيئة علمية خصبة ودورًا بارزًا في الحياة الدينية والتعليمية في ذلك الوقت.

لعبت المدرسة الكاملية دورًا محوريًا في إعادة ترسيخ المذهب السني، حيث كانت تركز على تدريس الحديث النبوي الشريف وفق المذهبين الشافعي والحنفي. كما كانت جزءًا من خطة متكاملة لإنشاء مؤسسات تعليمية تهدف إلى محاربة الفكر الشيعي، وتطوير نظام التعليم الديني في مصر.

امتازت المدرسة الكاملية بنظام تعليمي منظم، وأساتذة متخصصين في العلوم الشرعية، مما جعلها من أبرز المراكز التعليمية في العصر الأيوبي، وتخرج منها العديد من القضاة والمفتين، وهو ما عزز مكانتها كمؤسسة تعليمية رائدة في نشر الفكر السني الصحيح.

ومع مرور الزمن، تعرضت المدرسة الكاملية للعديد من مراحل الإهمال، ما استدعى ترميمها في أكثر من مناسبة. وكان أول ترميم كبير لها على يد الأمير حسن كتخدا، الذي أعاد بناء أجزاء منها، وأضاف مسجدًا صغيرًا داخل المدرسة. وفي فترة لاحقة، تدخلت لجنة حفظ الآثار العربية بعدما رصدت الحالة المتدهورة للمبنى، وقامت بإزالة الأتربة التي كانت تغطيه في إطار جهودها للحفاظ على هذا الصرح التاريخي.

ومن الضروري التأكيد على أهمية استمرار عمليات الترميم والصيانة، ليس فقط للحفاظ على المبنى من التدهور، بل للحفاظ على الهوية الثقافية والتراث المصري العريق الذي تمثله المدرسة الكاملية كأحد رموزه البارزة. تجسد المدرسة الكاملية واحدة من أروع صور المواجهة الفكرية والثقافية في تاريخ مصر، حيث لم تكن مجرد مبنى تعليمي، بل كانت ساحة نضال علمي وثقافي لاستعادة الهوية المذهبية لمصر بعد عقود من الفكر الوافد. واليوم، تبقى الكاملية رمزًا خالدًا لقوة العلم في مواجهة الانحراف، ولأهمية التراث في تشكيل وجدان الأمة والحفاظ على هويتها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللي اختشوا ماتوا" مثل شعبي ارتبط بحادثة الحريق في حمام السلطان اينال

كتبت فرح بهاء: حمام السلطان إينال، من أقدم الحمامات الشعبية في القاهرة، حيث يبلغ عمره حوالي ٧٠٠ عام، ليبقى دليلًا على جمال العمارة في ذلك الوقت، وعادات اجتماعية قديمة اعتادها الناس منذ زمن بعيد. يقع حمام السلطان الأشرف إينال بجوار المدرسة الكاملية في منطقة الجمالية بشارع المعز، ويُعد واحدًا من أهم المعالم الأثرية في القاهرة. بناه السلطان إينال عام ٨٦١هـ / ١٤٥٦م، واستلهم تصميمه من الطراز العثماني الذي كان يُعتمد في بناء الحمامات التقليدية، والتي كانت ترمز إلى الرفاهية والاسترخاء. بدأ السلطان الأشرف إينال حياته في مناصب صغيرة حتى وصل إلى قيادة الجيش في عهد السلطان جقمق، ثم سنحت له الفرصة لتولي حكم مصر بعد خلع السلطان المنصور عثمان بن جقمق. تميّز إينال ببعض الصفات الجيدة، مثل حرصه على تطبيق الشريعة فيما يخص أحكام القتل، وعدم ميله للتملق، لكنه كان أميًا لا يجيد القراءة، حتى إنه لم يكن قادرًا على قراءة الفاتحة، وكانت صلاته سريعة. شهد عصره اضطرابات عديدة، حيث واجه سبع ثورات داخلية بسبب سياسته التي اعتمدت على تعيين المماليك الكبار في السن، الذين عرفوا بتمردهم وفسادهم، على عكس الحكام ال...

المعز: شارع أثري في القاهرة القديمة يضم أكثر من ٢١٥ أثر إسلامي

  كتبت منة الله هاشم: يحمل شارع المعز لدين الله الفاطمي بين جنباته أكثر من ألف عام من الحضارة الأسلامية ليشكل وجدان شعبه، باعتباره أقدم وأطول شارع في العالم تزينه جواهر المعمار الإسلامي، كما يعد أكبر متحف إسلامي مفتوح في العالم ويوجد به حوالى ٢١٥ أثر إسلامي هام ويمتد شارع المعز من باب زويله بالدرب الاحمر مرورًا بالغورية وشارع الصاغة ووصولًا الى باب الفتوح بالجمالية.  يطلق أيضًا على شارع المعز اسم الشارع الأعظم أو بين القصرين أو قصبة القاهرة أو قصبة القاهرة الكبرى، فهو قلب مدينة القاهرة القديمة، يُعد الشارع حاليًا متحفًا مفتوحًا يضم مجموعة من آثار مدينة القاهرة الإسلامية في الفترة من القرن العاشر حتي القرن التاسع عشر بعد الميلاد، فضلاً عن الثراء المعماري وتنوعه بين العمارة الدينية والسكنية والتجارية والخيرية والعسكرية، يقع الشارع داخل نطاق القاهرة التاريخية التي تم إدراجها على قائمة مواقع التراث العالمي عام ١٩٧٩م. يضم الشارع نحو ٣٥ أثرًا إسلاميًا من مختلف العصور منها الفاطمي والمملوكي والعثماني، كما تضم الشوارع المتفرعة منه نحو ٤٣ أثرًا. تتنوع هذه الآثار بين القصور والمنازل وال...

كنوز المتحف القبطي.. ستة عشر ألف مقتنى بترتيب زمني دقيق

  كتبت: منة الله هاشم يُعد المتحف القبطي بمثابة نافذة فريدة على تاريخ المسيحية في مصر، فهو أكبر متحف للآثار القبطية في العالم، وقد تم افتتاحه في سنة ١٩١٠. يضم المتحف مجموعات متنوعة ونادرة من الفن القبطي، الذي يحكي قصة امتزاج الفن المصري بالروح المسيحية، ويقع في قلب منطقة مصر القديمة، وتحديدًا داخل أسوار حصن بابليون، وهي منطقة تاريخية تحتضن بين جنباتها معالم دينية تمثل مختلف الأديان. بدأ تأسيس المتحف في زمن الفرس، لكن أُجريت عليه العديد من الإضافات في عهد الإمبراطورين الرومانيين أغسطس وتراجان، ثم استكمل الإضافات من جاء بعدهم من أباطرة الرومان. وقد لعب العالم الفرنسي "ماسبيرو" دورًا هامًا في نشأة المتحف، حيث عمل على جمع أعمال الفن القبطي وتخصيص قاعة لها داخل المتحف المصري. وبعد ذلك، طالب مرقس باشا سميكة عام ١٨٩٣م بأن تضم مجموعة الآثار القبطية إلى اهتمامات لجنة حفظ الآثار والفنون، وجاهد طويلاً حتى تمكن من إقامة المبنى الحالي للمتحف الذي افتُتح عام ١٩١٠، وعُيّن هو أول مدير له. أُنشئ المتحف على أرضٍ تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المشرقية، وقد أهداها له البابا كيرلس الخامس، وكا...