كتبت رضوى محمد:
يعد المتحف القومي للحضارة المصرية الأول من نوعه في مصر والعالم العربي، يقع في مدينة الفسطاط بالقاهرة. ويستوعب المتحف خمسين ألف قطعة أثرية تسرد مراحل تطور الحضارة المصرية بدءًا من عصور ما قبل التاريخ وحتى العصر الحديث. يطل المتحف على بحيرة طبيعية، وهي بحيرة عين الصيرة.
تعود فكرة إنشاء المتحف إلى عام ١٩٨٢م، حينما أعلنت منظمة اليونسكو عن حملة دولية لإنشاء المتحف القومي للحضارة المصرية ومتحف النوبة بأسوان. وفي عام ١٩٩٩م، تم اختيار موقع المتحف الحالي في الفسطاط بدلًا من موقعه السابق في الجزيرة. وُضع حجر الأساس لمبنى المتحف في عام ٢٠٠٢م، وتم افتتاحه جزئيًا في فبراير ٢٠١٧م بحضور العديد من الشخصيات العامة العالمية والمحلية، وتضمن الافتتاح قاعة عرض مؤقتة حول الحرف والصناعات المصرية عبر العصور. افتُتح المتحف رسميًا في ٣ أبريل ٢٠٢١م، بحضور رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، ورئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، ووزير السياحة والآثار خالد العناني، وأودري أزولاي رئيسة منظمة اليونسكو، بالتزامن مع موكب نقل ٢٢ مومياء ملكية من المتحف المصري بالتحرير إلى المتحف القومي للحضارة المصرية، في حدث أُطلق عليه «موكب المومياوات الملكية».
يقع المتحف بالقرب من حصن بابليون،
ويطل على بحيرة عين الصيرة في مدينة الفسطاط التاريخية بمنطقة مصر القديمة بالقاهرة. وتبلغ مساحته ٣٣.٥ فدانًا، مما يجعله واحدًا من أهم وأكبر متاحف الآثار في العالم.
تم تصميم المتحف على يد الاستشاري المعماري الدكتور الغزالي كسيبة،
أستاذ العمارة بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة، وصمم قاعات العرض الداخلي المهندس المعماري الياباني أراتا إيسوزاكي. شُيد المتحف بتمويل مصري كامل، حيث يتوزع التمويل بين صندوق إنقاذ آثار النوبة بنسبة ٤٥٪، والمجلس الأعلى للآثار بنسبة ٥٥٪. وقدمت منظمة اليونسكو الدعم الفني في مجال التدريب والاستشارات حول كيفية تنفيذ المتحف بطرق علمية حديثة.
يضم المتحف عدة قاعات عرض، منها القاعة الرئيسية، وتعرض هذه القاعة عددًا من القطع الأثرية التي تعطي فكرة متكاملة عن الحضارة المصرية من العصر الفرعوني واليوناني والروماني والقبطي والإسلامي والحديث.
قاعة المومياوات الملكية، تضم القاعة عشرين مومياء ملكية، منهم ثمانية عشر ملكًا وملكتين من الأسرات السابعة عشرة حتى الأسرة العشرين. من أهم هذه المومياوات: الملك سقنن رع، الملك تحتمس الثالث، الملكة حتشبسوت، الملك رمسيس الثاني، والملك رمسيس الثالث. وقاعة النسيج المصري، شهد المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط حدثًا ثقافيًا استثنائيًا بافتتاح قاعة النسيج المصري، التي تُعد إضافة مختلفة للمتحف، حيث تسرد تاريخ صناعة النسيج في مصر منذ عصور ما قبل التاريخ حتى العصر الحديث.
تشتمل القاعة على أكثر من ٦٥٠ قطعة أثرية، منها مقتنيات نُقلت من متحف النسيج بشارع المعز، بالإضافة إلى قطع أخرى من المتحف المصري بالتحرير، ومتحف الفن الإسلامي، وقصر محمد علي بالمنيل، والمتحف الزراعي، ومخازن المتحف القومي للحضارة.
تم تجهيز القاعة بأحدث تقنيات العرض، بما في ذلك أنظمة الإضاءة وفاترينات العرض الحديثة، وشاشات لعرض أفلام وثائقية تحكي تاريخ النسيج المصري.
من أبرز المعروضات: أردية من الكتان تعود للعصور البطلمية والقبطية والإسلامية والحديثة، ونماذج لنول النسيج من الدولة الوسطى، وتمثال لرئيس النساجين من الدولة القديمة، بجانب مجموعة من التماثيل واللوحات التي توثّق تطور الأزياء عبر العصور المتعاقبة.
تُعرض أيضًا مجموعة من النسيج التراثي والتقليدي لمناطق
شمال وجنوب سيناء، وسيوة، والدلتا، والصعيد، والنوبة، وأُضيف إلى ذلك ملابس تراثية وأزياء احتفالية، تعكس طابع التنوع الثقافي في مصر.
تُعد قاعة النسيج المصري بمثابة جسر يربط بين الماضي والحاضر، وتُبرز أهمية النسيج في تشكيل الهوية الثقافية المصرية.
يتميز المتحف بوجود مصبغة داخل حرم المتحف، اكتُشفت لأول مرة في عام ١٩٣٢م، وأُعيد اكتشافها مرة أخرى أثناء عمليات الحفر لبناء المتحف عام ٢٠٠٣-٢٠٠٤م. تتكون المصبغة من ثلاثة صفوف مزدوجة العيون، وفي الجانب الأيسر ١٣ عينًا منفردة مدعومة بحائط مبني من الطوب. يُعتقد أن هذه الأحواض كانت تُستخدم لتثبيت الصبغة بعد عملية الصبغ.
مرّ المتحف بعدة مراحل، المرحلة الأولى شملت الأعمال الإنشائية الأساسية. والمرحلة الثانية تضمنت إنشاء المبنى الإداري والمعامل والمخازن والمنظومة الأمنية، بتكلفة أربعمائة مليون جنيه. أما المرحلة الثالثة شملت إنشاء محطة كهرباء وثلاث قاعات من إجمالي تسع قاعات بالمتحف، بتكلفة خمسمائة مليون جنيه.
يخضع المتحف لإشراف قطاع المتاحف بالمجلس الأعلى للآثار التابع لوزارة الآثار المصرية، الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف هو أحمد غنيم، والمشرف العام على المشروع أحمد الشربيني.
إن المتحف القومي للحضارة المصرية هو واحد من أهم المعالم الثقافية التي تعكس تاريخ الحضارة المصرية الممتد عبر العصور. يعكس المتحف تميز هذه الحضارة من خلال عرض مجموعة من القطع الأثرية النادرة التي تمتد من عصور ما قبل التاريخ حتى العصر الحديث. إلى جانب دوره في الحفاظ على التراث، يساهم المتحف في رفع مستوى الوعي الثقافي والسياحي لمصر على المستوى العالمي، ويظهر التقدم الكبير في طرق عرض الآثار باستخدام التقنيات الحديثة. من خلال معروضاته المتنوعة مثل «قاعة المومياوات الملكية» و«قاعة النسيج المصري»، يقدم المتحف لمحة شاملة عن تطور مصر وتاريخها الغني.



تعليقات
إرسال تعليق