التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسجد السيدة نفيسة.. مقام بُني في موضع إقامتها ويستقبل الزوار من شتى بقاع العالم



كتبت رضوى محمد: 

يقع مسجد السيدة نفيسة في منطقة السيدة نفيسة بالقاهرة، كأحد المساجد التي تحمل بين جدرانها تاريخًا يمتد عبر العصور. المسجد، الذي شُيد في موقع إقامة ودفن السيدة نفيسة بنت الحسن، شهد العديد من التجديدات والتوسعات التي زادت من جماله وعظمته. اليوم، يُعتبر المسجد نقطة محورية في مسار «آل البيت» في مصر، حيث يتوافد إليه المصلون والزوار للتقرب إلى الله والتماس البركة من المقام.


وُلدت السيدة نفيسة في مكة المكرمة، ونشأت في المدينة المنورة. في عام ١٩٣هـ، جاءت إلى مصر مع زوجها «إسحاق المؤتمن»، ابن الإمام جعفر الصادق، واستقروا في الفسطاط. سرعان ما أصبح بيتها مقصدًا لطلاب العلم والمحبين لأهل البيت، نظرًا لعلمها الواسع وتفسيرها للقرآن الكريم.


عند وفاتها في رمضان عام ٢٠٨هـ، أراد زوجها نقل جثمانها إلى المدينة المنورة لدفنها في البقيع. إلا أن المصريين تمسكوا ببقائها بينهم، وعرضوا عليه مالًا وفيرًا لتحقيق ذلك. بعد رفضه في البداية، رأى في المنام النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) يأمره بقبول طلبهم، فاستجاب ودفنت السيدة نفيسة في مصر، ليصبح قبرها مزارًا للمحبين.


شهد مسجد السيدة نفيسة عدة مراحل من البناء والتطوير وهي العصر العباسي، بعد وفاة السيدة نفيسة، أمر والي مصر عبيد الله بن السري ببناء أول قبة على قبرها، وذلك تخليدًا لذكراها. والعصر الفاطمي، في عام ٤٨٢هـ (١٠٨٩م)، أمر الخليفة المستنصر بالله بإعادة بناء الضريح وإضافة قبة جديدة عليه، مع تدوين تاريخ العمارة على لوح رخامي وُضع على باب الضريح. والعصر الفاطمي المتأخر، في عام ٥٣٢هـ (١١٣٨م)، شهد الضريح تجديدات أخرى في عهد الخليفة الحافظ لدين الله، حيث تم ترميم القبة وكساء المحراب بالرخام. أما في العصر العثماني، فشهد المسجد تجديدات واسعة في عهد الأمير عبد الرحمن كتخدا، حيث بُني الضريح على الهيئة الموجودة عليه الآن. وعصر أسرة محمد علي، في عام ١٣١٤هـ (١٨٩٦م)، أمر الخديوي عباس حلمي الثاني ببناء المسجد الحالي، والذي لا يزال قائمًا حتى يومنا هذا.



يقع المسجد في بداية طريق أهل البيت، وهو طريق شهير يبدأ بمقام الإمام علي زين العابدين وينتهي بمشهد السيدة زينب بنت علي، مرورًا بالسيدة نفيسة والسيدة سكينة بنت الحسين والسيدة رقية بنت علي بن أبي طالب ومحمد بن جعفر الصادق والسيدة عاتكة عمة الرسول محمد.

يتميز المسجد بمدخلين منفصلين للرجال والنساء، وقد تم تجديد المدخل مؤخرًا وتزيينه بالرخام. داخل المسجد، يمتد ممر طويل يصل إلى المقام، وتتزين جدرانه بلوحات مرسومة رائعة تعبر عن حب أهل البيت، بالإضافة إلى بعض الأشعار في مدحهم.


يُعتبر مسجد السيدة نفيسة اليوم مقصدًا للزوار من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، الذين يأتون للتبرك وزيارة مقام حفيدة النبي، والاستمتاع بالأجواء الروحانية التي تميز هذا المكان التاريخي.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللي اختشوا ماتوا" مثل شعبي ارتبط بحادثة الحريق في حمام السلطان اينال

كتبت فرح بهاء: حمام السلطان إينال، من أقدم الحمامات الشعبية في القاهرة، حيث يبلغ عمره حوالي ٧٠٠ عام، ليبقى دليلًا على جمال العمارة في ذلك الوقت، وعادات اجتماعية قديمة اعتادها الناس منذ زمن بعيد. يقع حمام السلطان الأشرف إينال بجوار المدرسة الكاملية في منطقة الجمالية بشارع المعز، ويُعد واحدًا من أهم المعالم الأثرية في القاهرة. بناه السلطان إينال عام ٨٦١هـ / ١٤٥٦م، واستلهم تصميمه من الطراز العثماني الذي كان يُعتمد في بناء الحمامات التقليدية، والتي كانت ترمز إلى الرفاهية والاسترخاء. بدأ السلطان الأشرف إينال حياته في مناصب صغيرة حتى وصل إلى قيادة الجيش في عهد السلطان جقمق، ثم سنحت له الفرصة لتولي حكم مصر بعد خلع السلطان المنصور عثمان بن جقمق. تميّز إينال ببعض الصفات الجيدة، مثل حرصه على تطبيق الشريعة فيما يخص أحكام القتل، وعدم ميله للتملق، لكنه كان أميًا لا يجيد القراءة، حتى إنه لم يكن قادرًا على قراءة الفاتحة، وكانت صلاته سريعة. شهد عصره اضطرابات عديدة، حيث واجه سبع ثورات داخلية بسبب سياسته التي اعتمدت على تعيين المماليك الكبار في السن، الذين عرفوا بتمردهم وفسادهم، على عكس الحكام ال...

المعز: شارع أثري في القاهرة القديمة يضم أكثر من ٢١٥ أثر إسلامي

  كتبت منة الله هاشم: يحمل شارع المعز لدين الله الفاطمي بين جنباته أكثر من ألف عام من الحضارة الأسلامية ليشكل وجدان شعبه، باعتباره أقدم وأطول شارع في العالم تزينه جواهر المعمار الإسلامي، كما يعد أكبر متحف إسلامي مفتوح في العالم ويوجد به حوالى ٢١٥ أثر إسلامي هام ويمتد شارع المعز من باب زويله بالدرب الاحمر مرورًا بالغورية وشارع الصاغة ووصولًا الى باب الفتوح بالجمالية.  يطلق أيضًا على شارع المعز اسم الشارع الأعظم أو بين القصرين أو قصبة القاهرة أو قصبة القاهرة الكبرى، فهو قلب مدينة القاهرة القديمة، يُعد الشارع حاليًا متحفًا مفتوحًا يضم مجموعة من آثار مدينة القاهرة الإسلامية في الفترة من القرن العاشر حتي القرن التاسع عشر بعد الميلاد، فضلاً عن الثراء المعماري وتنوعه بين العمارة الدينية والسكنية والتجارية والخيرية والعسكرية، يقع الشارع داخل نطاق القاهرة التاريخية التي تم إدراجها على قائمة مواقع التراث العالمي عام ١٩٧٩م. يضم الشارع نحو ٣٥ أثرًا إسلاميًا من مختلف العصور منها الفاطمي والمملوكي والعثماني، كما تضم الشوارع المتفرعة منه نحو ٤٣ أثرًا. تتنوع هذه الآثار بين القصور والمنازل وال...

كنوز المتحف القبطي.. ستة عشر ألف مقتنى بترتيب زمني دقيق

  كتبت: منة الله هاشم يُعد المتحف القبطي بمثابة نافذة فريدة على تاريخ المسيحية في مصر، فهو أكبر متحف للآثار القبطية في العالم، وقد تم افتتاحه في سنة ١٩١٠. يضم المتحف مجموعات متنوعة ونادرة من الفن القبطي، الذي يحكي قصة امتزاج الفن المصري بالروح المسيحية، ويقع في قلب منطقة مصر القديمة، وتحديدًا داخل أسوار حصن بابليون، وهي منطقة تاريخية تحتضن بين جنباتها معالم دينية تمثل مختلف الأديان. بدأ تأسيس المتحف في زمن الفرس، لكن أُجريت عليه العديد من الإضافات في عهد الإمبراطورين الرومانيين أغسطس وتراجان، ثم استكمل الإضافات من جاء بعدهم من أباطرة الرومان. وقد لعب العالم الفرنسي "ماسبيرو" دورًا هامًا في نشأة المتحف، حيث عمل على جمع أعمال الفن القبطي وتخصيص قاعة لها داخل المتحف المصري. وبعد ذلك، طالب مرقس باشا سميكة عام ١٨٩٣م بأن تضم مجموعة الآثار القبطية إلى اهتمامات لجنة حفظ الآثار والفنون، وجاهد طويلاً حتى تمكن من إقامة المبنى الحالي للمتحف الذي افتُتح عام ١٩١٠، وعُيّن هو أول مدير له. أُنشئ المتحف على أرضٍ تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المشرقية، وقد أهداها له البابا كيرلس الخامس، وكا...