كتبت رندا كامل ـ أسماء ممدوح:
يقف قصر الأميرة سميحة كامل شاهدًا على مزيج فريد من الفنون الإسلامية والأوروبية، ويجسد تاريخًا معماريًا وثقافيًا زاخرًا. من ملكيته لعائلة قطاوي إلى انتقاله للأميرة سميحة، تحول القصر من تحفة سكنية إلى منارة ثقافية تحتضن مكتبة القاهرة الكبرى، محتفظًا برونقه الفني وتفاصيله المعمارية النادرة.
يقع قصر الأميرة سميحة كامل بشارع محمد مظهر في قلب حي الزمالك الراقي بالقاهرة. وقد اشترته الأميرة سميحة، ابنة السلطان حسين كامل الذي حكم مصر بين عامي «١٩١٤و ١٩١٧»، في عام ١٩٤٢م، لتتخذه مقرًا لإقامتها حتى وفاتها عام ١٩٨٤. وأدخلت عليه بعض التعديلات لتناسب ذوقها الشخصي.
بني القصر في عام ١٩٠٢ على يد عائلة قطاوي الشهيرة، وهي من العائلات اليهودية التي كانت بارزة في مصر. شهد القصر زواج حفيدة موسى قطاوي، التاجر المعروف، وهناك أطلق الحاضرون عليه لقب "فيلا كعكة الزفاف" نظرًا لشكله الخارجي الفريد.
يتميز القصر بتصميمه المعماري الذي يجمع بين الطراز الإسلامي الحديث والمدارس المملوكية، مع لمسات أندلسية ومغربية واضحة، وزخارف تعكس روح الطراز العثماني وفنون عصر النهضة الأوروبية، مما جعله من أبرز القصور التاريخية في العاصمة.
وبعد رحيل الأميرة، تم تنفيذ وصيتها بتحويل القصر إلى مكتبة عامة، فتم افتتاح مكتبة القاهرة الكبرى عام ١٩٩٥م، لتصبح واحدة من أكبر المكتبات العامة في مصر.
يتكون قصر الأميرة سميحة كامل من ثلاثة طوابق رئيسية وطابق سفلي تحت الأرض، تحيط به أسوار حديدية مزخرفة، تعلو بوابته الرئيسية ثلاثة عقود مفصصة مؤطرة بإطار مدبب، على الطراز الأندلسي، ويزينها عمودان حديديان ينتهيان بمصابيح كانت تُستخدم لإضاءة المدخل ليلًا.
يقود سلم رخامي فخم إلى مدخل القصر، حيث يستقبل عنده بهو واسع تتوزع فيه ثلاث بوائك تشكل ثلاث أضلاع لمربع، في تصميم يذكر ببوائك جامع قرطبة بالأندلس. تتميز هذه البوائك بطراز أندلسي واضح، ترتكز على أعمدة من الرخام الوردي، تعلوها تيجان مقرنصة، وتتوجها عقود مفصصة بإطار مدبب. أما باطن العقود وتيجان الأعمدة، فقد زخرفت بزخارف نباتية مطلية بماء الذهب، ما يضفي فخامة وجمالًا خاصًا على المكان.
يمتلك القصر أربع واجهات، لكن أبرزها تلك التي يعلوها برج دائري في الركن الجنوبي، يلفت الأنظار بارتفاعه الفخم، وتغطيه مجموعة من الشبابيك الواسعة التي تحيط به من جميع الاتجاهات.
تعلو شبابيك القصر عقود مدببة مزخرفة بزخارف هندسية دقيقة، ما يمنح الواجهات الأربع طابعًا معماريًا إسلاميًا أصيلًا، يجعل منها نموذجًا تطبيقيًا مميزًا لدارسي العمارة والفنون الإسلامية.
تتوزع على واجهات القصر مجموعة من الشبابيك التي تنتهي بعقود مدببة، محمولة على أعمدة مدمجة في الحوائط، إلى جانب شرفات تتزين بدرابزينات تأخذ هيئة أعمدة صغيرة تتصل بعقود، بما يحاكي تصميم البوائك في المدارس والمساجد الإسلامية القديمة.
أما الواجهة الخلفية، فتتوج من الأعلى بعنصر معماري مميز استخدم بكثرة في العمارة المملوكية، وهو الشرفات المصممة على شكل ورقة نباتية ثلاثية، والمعروفة قديمًا باسم "أخطره البنيان". وقد كان الهدف من استخدامها وقائيًا، لمنع سقوط من يتواجد أعلى السطح، إلى جانب قيمتها الجمالية والمعمارية.
تتزين جدران القصر الخارجية بزخارف إسلامية مميزة ذات طابع فارسي، انتشرت في مصر خلال عصري المماليك والعثمانيين، ويمكن ملاحظة تأثيرها في كثير من المشغولات المعدنية، مثل شبابيك الأسبلة التاريخية.
أما حوائط البهو الداخلي، فتنبض بزخارف جصية بديعة من الطراز الأندلسي، عُرفت شعبيًا بـ"الكف الأندلسية"، والتي حملت دلالة رمزية على تضامن المسلمين واتحادهم، إذ تمثل زخرفة هندسية دقيقة تأخذ هيئة المعين. وقد غطت هذه الزخارف الجدران بالكامل، وأحاطتها عناصر معدنية مذهبة على هيئة رؤوس مسامير، مستوحاة من تلك التي كانت تستخدم لتثبيت الشرائح المعدنية على أبواب المدارس المملوكية.
أما السقف، فقسم إلى مساحات مربعة ومستطيلة، ازدانت جميعها بزخارف نباتية وهندسية مذهبة، مستلهمة من الطراز الإسلامي الأصيل، ما أضفى على بهو القصر فخامة بصرية وروحية متفردة.
يفتح بهو قصر الأميرة سميحة كامل على مجموعة من الحجرات المخصصة للاستقبال، يتقدمها من الجهة اليمنى "حجرة المصلّى"، التي صممت على طراز المساجد المملوكية، حيث فرشت أرضيتها برخام أبلق يجمع بين الأبيض والأسود، وفي أحد أركانها ينتصب محراب أنيق، يرتكز على عامودين من الرخام الأبلق الفاخر لتحديد اتجاه القبلة. وتغطي جدران الحجرة ألواح من الرخام الأبلق والمشهر بدرجات الأصفر والبني، بينما جاء سقفها الخشبي محمولًا على براطيم مزخرفة برسوم هندسية ونباتية بالأحمر والأبيض والأصفر، بأسلوب يحاكي سقوف المساجد الجركسية. ويرتكز هذا السقف على إفريز خشبي يحمل نقوشا كوفية بعبارة "البركة الكاملة والنعمة الشاملة".
إلى جانب المصلى، تحتفظ "حجرة الاستقبال" بسقفها الأصيل حتى اليوم، والذي يزدان بزخارف عثمانية من الورود والأوراق النباتية المتشابكة، بألوان زاهية لم تمس. كما تتفرد أبواب هذه الحجرة عن سائر أبواب القصر بنقوش بارزة من الزهور والنباتات، نفذت بحرفية دقيقة ولمسات فنية عالية.
ويجاور حجرة الاستقبال "صالون كبار الزوار"، الذي يُعد من أبهى أركان القصر وأكثرها فخامة، بما يحتويه من تفاصيل معمارية دقيقة، تجعله تحفة قائمة بذاتها.
يُظهر قصر الأميرة سميحة كامل تنوعًا فنيًا ومعماريًا لافتًا، حيث يبرز الطراز الروماني في بعض أجزائه، خاصة من خلال وجود عمودين ضخمين تعلوهما تيجان أيونية كلاسيكية، وشبابيك بعقود نصف دائرية، بينما تتزين الحوائط بـ"بانوهات" بسيطة تخللتها زخارف نباتية وزهور صغيرة.
وفي الجهة الجنوبية من بهو القصر، يلفت الأنظار سلم رخامي ضخم بدرابزين فاخر من الرخام الأبيض والوردي. وعند صعود الدرجات، تظهر ثلاث نوافذ ضخمة تنتهي بعقود مدببة محمولة على أعمدة عريضة ذات طراز إسلامي، تعلوها قبة أنيقة تغطي بئر السلم. من الداخل، زخرفت القبة بزخارف إسلامية هندسية دقيقة، تمثلت في أشكال نجمية وأرابيسك متشابكة وخطوط متقاطعة كونت مستطيلات ومربعات في تكوين يعرف فنيًا باسم "الجفت اللاعب".
وينقسم السلم الرخامي إلى فرعين دائريين يلتقيان في بسطة عريضة تقود إلى صالة مستطيلة في الطابق الثاني. تتوسط هذه الصالة أربعة أعمدة ضخمة بتاج كورنيشي يحمل أوراق "الأكانتس"، وهو طراز إغريقي شهير، وتفتح على سبع حجرات، إحداها دائرية الشكل، تتزين أحد زواياها بدعائم حجرية مستطيلة تنتهي بعقود مدببة تشكل بوائك على نسق جامع الحاكم بأمر الله الفاطمي بالقاهرة.
يكتمل سحر قصر الأميرة سميحة كامل بسقف إحدى حجراته التي تأخذ شكلًا بيضاويًا بديعًا، تزينه زخارف نباتية جصية داخل دوائر ومزهريات، تتخللها أوراق الأكانتس البيضاء، بينما يمتد أسفل هذا السقف، أعلى جدران الحجرة، شريط زخرفي عريض يتكون من نحت بارز لتماثيل نسائية مصنوعة من الجص، تجسد شخصيات من الأساطير الإغريقية مثل دافني، أوروبا، وفينوس الخارجة من المحارة، في مشاهد فنية رشيقة.
أما أرضيات الحجرات السبع المحيطة فتغطيها ألواح الباركيه الخشبية، بينما تتفرد الأبواب بزخارف خشبية نفذت بأسلوب "المعقلي" العثماني، فتمنح المكان رقيًا استثنائيًا.
ومن خلال سلم جانبي، نصل إلى الطابق الثالث من القصر، حيث تقبع مجموعة من القاعات، أهمها القاعة الدائرية التي تشكل برج القصر، وكانت تستخدم كمرسم خاص بالأميرة سميحة. هذه القاعة مزودة بنوافذ من الجص المعشق بالزجاج الملون، مستلهمة من عمارة المساجد العثمانية في القاهرة، وتعلو بئر السلم الرخامي، ما يمنح القصر من الخارج هيئة تشبه أبراج القلاع الحربية المغربية والأندلسية، في مشهد يضفي طابعًا أسطوريًا على المبنى.
الأميرة سميحة ـ الابنة الوسطى للسلطان حسين كامل ـ عرفت بحبها العميق للفنون، فكانت تستضيف في قصرها حفلات موسيقية لأشهر فناني مصر، وعلى رأسهم الموسيقار محمد عبد الوهاب، إلى جانب صالونات أدبية جمعت أبرز أدباء وشعراء عصرها. كما درست النحت والرسم والتصوير على أيدي كبار الفنانين الإيطاليين، فانعكست روحها الفنية على كل زاوية في القصر، خاصة مع سيطرة الطابع الإسلامي الممزوج بالنفحات الأوروبية.
ظلت الأميرة سميحة مقيمة بالقصر حتى وفاتها ، وقد أوصت بأن يستخدم القصر بعد رحيلها لأغراض ثقافية وفنية، وهو ما تحقق بافتتاح مكتبة القاهرة الكبرى، لتصبح واحدة من أكبر المكتبات العامة في مصر، ومركزًا ثقافيًا يعكس تاريخًا معماريًا وفنيًا باذخًا.
كتبت فرح بهاء: حمام السلطان إينال، من أقدم الحمامات الشعبية في القاهرة، حيث يبلغ عمره حوالي ٧٠٠ عام، ليبقى دليلًا على جمال العمارة في ذلك الوقت، وعادات اجتماعية قديمة اعتادها الناس منذ زمن بعيد. يقع حمام السلطان الأشرف إينال بجوار المدرسة الكاملية في منطقة الجمالية بشارع المعز، ويُعد واحدًا من أهم المعالم الأثرية في القاهرة. بناه السلطان إينال عام ٨٦١هـ / ١٤٥٦م، واستلهم تصميمه من الطراز العثماني الذي كان يُعتمد في بناء الحمامات التقليدية، والتي كانت ترمز إلى الرفاهية والاسترخاء. بدأ السلطان الأشرف إينال حياته في مناصب صغيرة حتى وصل إلى قيادة الجيش في عهد السلطان جقمق، ثم سنحت له الفرصة لتولي حكم مصر بعد خلع السلطان المنصور عثمان بن جقمق. تميّز إينال ببعض الصفات الجيدة، مثل حرصه على تطبيق الشريعة فيما يخص أحكام القتل، وعدم ميله للتملق، لكنه كان أميًا لا يجيد القراءة، حتى إنه لم يكن قادرًا على قراءة الفاتحة، وكانت صلاته سريعة. شهد عصره اضطرابات عديدة، حيث واجه سبع ثورات داخلية بسبب سياسته التي اعتمدت على تعيين المماليك الكبار في السن، الذين عرفوا بتمردهم وفسادهم، على عكس الحكام ال...




تعليقات
إرسال تعليق