كتبت رندا كامل علي، أسماء ممدوح:
يمثل «قصر عابدين» نقلة فارقة في تاريخ القاهرة الحديثة، ليس فقط كقصر ملكي فخم، بل كمركز للسلطة وموضع لقرارات صنعت تاريخ الوطن. ليشهد في رحابه أحداثًا شكلت ملامح الدولة المصرية الحديثة. اليوم، يُعد القصر وجهة سياحية مميزة، تجمع بين التاريخ والفن والثقافة.
بُني القصر بأمر من الخديوي إسماعيل عام ١٨٦٣م، واتخذ مقرًا رسميًّا للحكم من عام ١٨٧٢ حتى عام ١٩٥٢ ميلاديًا،
أُقيم قصر عابدين على أطلال منزل صغير كان يملكه «عابدين بك»، أحد القادة العسكريين في عهد محمد علي باشا. اشتراه الخديوي إسماعيل من أرملته، ثم هدمه، وضم إليه أراض شاسعة حتى بلغت مساحته نحو ٢٥ فدانًا. وعلى هذه الأرض شيد القصر على الطراز النيوكلاسيكي الفرنسي، تحت إشراف المهندس «ليون روسو»، وشارك في بنائه نخبة من المعماريين والفنانين من مصر وأوروبا، أبرزهم «ديكوريل» و«فيروتشي».
يتكون القصر من طابقين وعدد من القاعات والصالونات الفخمة، التي تميز كل منها بلون مختلف: الأبيض، والأحمر، والأخضر، وتستخدم لاستقبال الوفود الرسمية. كما يضم جناحًا خاصًا بالضيوف، مثل الجناح البلجيكي الذي أقام فيه ملك بلجيكا، ويحتوي على قطع أثاث نادرة مزخرفة يدويًا.
أما المكتبة الملكية فتضم نحو ٥٥ ألف كتاب، وتشكل إرثًا معرفيًا ثمينًا. ويعتبر المسرح الملكي من أبرز معالم القصر، بمقاعده المذهبة، وتصميمه الذي يراعي الخصوصية الملكية.
يشمل الطابق العلوي جناحين رئيسيين:
السلاملك وهو جناح الاستقبالات، ويضم قاعة العرش، قاعة قناة السويس، الصالونات، المسرح، قاعة الطعام، وقاعة محمد علي. والحرملك وهو جناح الإقامة الملكية، ويضم القاعة البيزنطية، الجناح البلجيكي، وقاعات الطعام الخاصة.
أما الطابق الأرضي، يحتوي على مكاتب التشريفات وبهو للاستقبال، فيما وضعت المطابخ في مبنى مستقل لتفادي الروائح والحرائق.
تحوّلت أجزاء من القصر إلى متاحف مفتوحة للجمهور تحت إشراف رئاسة الجمهورية، وتربطها ممرات وحدائق داخلية، مما يجعلها من أبرز الوجهات السياحية في القاهرة: متحف الأوسمة والنياشين، يضم مجموعات نادرة من أوسمة العائلة المالكة من دول عدة. ومتحف الأسلحة، يحتوي على سيوف وبنادق نادرة، منها سلاح السلطان سليم الأول وسلاح نابليون بونابرت. متحف والفضيات يعرض مقتنيات العائلة الملكية من أدوات الطعام الفاخرة المصنوعة من الفضة والكريستال. أما متحف الصيد فيضم حيوانات محنطة وطيور نادرة، من أبرزها عقد مصنوع من رؤوس عصافير حقيقية كانت تملكه الملكة فريدة. وهناك متحف الهدايا الرئاسية والوثائق التاريخية، يقدمان لمحة نادرة عن العلاقات الدولية وأحداث فارقة في تاريخ مصر الحديث.
ارتبط قصر عابدين بمحطات محورية في التاريخ المصري، من بينها مظاهرة أحمد عرابي عام ١٨٨١م، إلى حصار القوات البريطانية للقصر عام ١٩٤٢م لإجبار الملك فاروق على تعيين مصطفى النحاس رئيسًا للوزراء، ثم حصار الضباط الأحرار له فجر ثورة يوليو ١٩٥٢.
وشهد القصر أيضًا مناسبات اجتماعية بارزة، مثل زفاف الأميرة فوزية من ولي عهد إيران عام ١٩٣٩، كما تعرض لحريق كبير عام ١٨٩١م دمر جناح الحرملك.
منذ افتتاحه عام ١٨٧٢، كان قصر عابدين مقرًا رسميًا لحكم أسرة محمد علي حتى نهاية الحقبة الملكية عام ١٩٥٢. استخدمه الرئيس أنور السادات لاحقًا كمقر للحكم، وهو اليوم أحد القصور الرئاسية الهامة، مسجل كأثر تاريخي.
كان قصر عابدين اللبنة الأولى في مشروع الخديوي إسماعيل لتحديث القاهرة. استعان إسماعيل بالمهندس الفرنسي الشهير «البارون هوسمان»، الذي أعاد تخطيط باريس، ليساهم في تصميم «القاهرة الخديوية» بطابعها الأوروبي، ومبانيها الأنيقة وشوارعها الفسيحة. ولأن القصر لم يكن قد اكتمل بعد عند افتتاح قناة السويس عام ١٨٦٩، استضيفت الإمبراطورة أوجيني، زوجة نابليون الثالث، في فيلا عمر الخيام، التي تعرف اليوم باسم فندق ماريوت القاهرة.
يعد قصر عابدين اليوم وجهة سياحية بارزة للزوار المحليين والدوليين، حيث يتيح لهم فرصة اكتشاف جزء من تاريخ مصر الحديث. يتمتع الزوار بجولات سياحية داخل القصر لزيارة المتاحف والتمتع بمعمار القصر الفخم. يمكن للزائرين أيضًا الاستمتاع بجولة في الحدائق الداخلية والتمتع بمشاهد تاريخية تروي قصصًا عن مختلف العصور التي مرّ بها. قصر عابدين ليس مجرد قصر ملكي، بل هو تجربة تُمكنك من الوقوف على تاريخ القاهرة والحضارة المصرية الحديثة.



تعليقات
إرسال تعليق