التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حديقة الزهرية تفقد جزءًا من مساحتها بسبب التغيرات العمرانية

 


كتبت رندا كامل، أسماء ممدوح: 

تُعد حديقة الزهرية من أقدم الحدائق النباتية بالقاهرة، حيث يمتزج فيها عبق التاريخ بجمال الطبيعة. أُنشئت في عهد الخديوي إسماعيل، وكانت دومًا ملاذًا لمحبي الهدوء بين ظلال الأشجار النادرة والنباتات الاستوائية الفريدة. لكن الإهمال الذي طالها مع مرور الوقت يثير القلق بشأن مستقبلها ومستقبل المساحات الخضراء، وفي ظل التوسع العمراني والضغوط البيئية المتزايدة، تزداد الحاجة إلى تحرّك عاجل للحفاظ على هذه المساحات، ليس فقط باعتبارها متنفسًا طبيعيًا، بل كجزء من هوية المدينة وذاكرتها التاريخية التي لا يجوز التفريط فيها.


رغبةً في تحويل القاهرة إلى "باريس الشرق"، منح الخديوي إسماعيل اهتمامًا كبيرًا بالحدائق والمساحات الخضراء، فأنشأ العديد منها، من بينها حديقة الزهرية عام ١٨٦٨م، لتكون جزءًا من الحدائق الملكية المحيطة بقصره في الزمالك.


لم تكن الحديقة مجرد مساحة خضراء، بل صُممت بعناية لتضم أنواعًا نادرة من الأشجار والنباتات التي استُقدمت من آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، مما جعلها تحفة نباتية مميزة في مصر آنذاك.

في عام ١٨٦٩، أصبحت الحديقة ضمن الأماكن التي استقبلت كبار ضيوف مصر خلال احتفالات افتتاح قناة السويس، حيث جال الملوك والسفراء بين ممراتها واستمتعوا بجمالها الفريد. ومع مرور السنوات، تحولت الحديقة من مجرد متنزه ملكي إلى مركز بحثي لدراسة النباتات النادرة، مما عزز قيمتها العلمية إلى جانب قيمتها الجمالية.


بعد ثورة ١٩٥٢، انتقلت ملكية الحديقة إلى الدولة، وفتحت أبوابها للجمهور، لكنها لم تسلم من التغيرات العمرانية، حيث فقدت جزءًا من مساحتها عند بناء برج القاهرة، حيث أُقيم مدخله على جزء من أرضها.

ورغم التحديات، لا تزال الحديقة تحتفظ بسحرها، شاهدة على أكثر من ١٥٠ عامًا من التاريخ والجمال الطبيعي في القاهرة.



عند دخول الحديقة، يبدو وكأن عالمًا آخر قد انفتح، بعيدًا عن صخب العاصمة. ممرات متعرجة، وأشجار ضخمة تلقي بظلالها الكثيفة، تصاحبها أصوات عصافير متناغمة، تمنح المكان سحرًا خاصًا يجعله مقصدًا لمحبي الاسترخاء والطبيعة.


خلال الأشهر الماضية، انتشرت شائعات عن إغلاق الحديقة بسبب أعمال التطوير، ما أثار قلق روادها ومحبي المساحات الخضراء، خاصة أن الزمالك شهدت من قبل تطوير بعض الحدائق التاريخية مثل حديقة المسلة، وهو ما أثار جدلًا حول تأثير تلك المشروعات على الطابع التراثي للأماكن القديمة.

نفت وزارة الزراعة هذه الشائعات، مؤكدة أن الحديقة لا تزال مفتوحة للزوار، وأن ما يتم هو مجرد أعمال صيانة دورية للحفاظ على طبيعتها، دون المساس بهويتها التاريخية.


رغم قيمتها التاريخية والجمالية، تعاني حديقة الزهرية من بعض مظاهر الإهمال، مثل تهالك بعض الممرات، وغياب الصيانة المنتظمة، ما أدى إلى تراجع مستوى الخدمات المقدمة للزوار.

ويبقى السؤال، هل ستحظى الحديقة بما تستحقه من اهتمام لتعود إلى سابق عهدها كواحدة من أجمل الحدائق في القاهرة، أم ستظل تعاني من الإهمال مثل غيرها من المساحات الخضراء التاريخية؟ الأيام القادمة وحدها ستكشف عن مصير هذه الواحة التي جمعت بين سحر الطبيعة وعبق التاريخ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللي اختشوا ماتوا" مثل شعبي ارتبط بحادثة الحريق في حمام السلطان اينال

كتبت فرح بهاء: حمام السلطان إينال، من أقدم الحمامات الشعبية في القاهرة، حيث يبلغ عمره حوالي ٧٠٠ عام، ليبقى دليلًا على جمال العمارة في ذلك الوقت، وعادات اجتماعية قديمة اعتادها الناس منذ زمن بعيد. يقع حمام السلطان الأشرف إينال بجوار المدرسة الكاملية في منطقة الجمالية بشارع المعز، ويُعد واحدًا من أهم المعالم الأثرية في القاهرة. بناه السلطان إينال عام ٨٦١هـ / ١٤٥٦م، واستلهم تصميمه من الطراز العثماني الذي كان يُعتمد في بناء الحمامات التقليدية، والتي كانت ترمز إلى الرفاهية والاسترخاء. بدأ السلطان الأشرف إينال حياته في مناصب صغيرة حتى وصل إلى قيادة الجيش في عهد السلطان جقمق، ثم سنحت له الفرصة لتولي حكم مصر بعد خلع السلطان المنصور عثمان بن جقمق. تميّز إينال ببعض الصفات الجيدة، مثل حرصه على تطبيق الشريعة فيما يخص أحكام القتل، وعدم ميله للتملق، لكنه كان أميًا لا يجيد القراءة، حتى إنه لم يكن قادرًا على قراءة الفاتحة، وكانت صلاته سريعة. شهد عصره اضطرابات عديدة، حيث واجه سبع ثورات داخلية بسبب سياسته التي اعتمدت على تعيين المماليك الكبار في السن، الذين عرفوا بتمردهم وفسادهم، على عكس الحكام ال...

المعز: شارع أثري في القاهرة القديمة يضم أكثر من ٢١٥ أثر إسلامي

  كتبت منة الله هاشم: يحمل شارع المعز لدين الله الفاطمي بين جنباته أكثر من ألف عام من الحضارة الأسلامية ليشكل وجدان شعبه، باعتباره أقدم وأطول شارع في العالم تزينه جواهر المعمار الإسلامي، كما يعد أكبر متحف إسلامي مفتوح في العالم ويوجد به حوالى ٢١٥ أثر إسلامي هام ويمتد شارع المعز من باب زويله بالدرب الاحمر مرورًا بالغورية وشارع الصاغة ووصولًا الى باب الفتوح بالجمالية.  يطلق أيضًا على شارع المعز اسم الشارع الأعظم أو بين القصرين أو قصبة القاهرة أو قصبة القاهرة الكبرى، فهو قلب مدينة القاهرة القديمة، يُعد الشارع حاليًا متحفًا مفتوحًا يضم مجموعة من آثار مدينة القاهرة الإسلامية في الفترة من القرن العاشر حتي القرن التاسع عشر بعد الميلاد، فضلاً عن الثراء المعماري وتنوعه بين العمارة الدينية والسكنية والتجارية والخيرية والعسكرية، يقع الشارع داخل نطاق القاهرة التاريخية التي تم إدراجها على قائمة مواقع التراث العالمي عام ١٩٧٩م. يضم الشارع نحو ٣٥ أثرًا إسلاميًا من مختلف العصور منها الفاطمي والمملوكي والعثماني، كما تضم الشوارع المتفرعة منه نحو ٤٣ أثرًا. تتنوع هذه الآثار بين القصور والمنازل وال...

كنوز المتحف القبطي.. ستة عشر ألف مقتنى بترتيب زمني دقيق

  كتبت: منة الله هاشم يُعد المتحف القبطي بمثابة نافذة فريدة على تاريخ المسيحية في مصر، فهو أكبر متحف للآثار القبطية في العالم، وقد تم افتتاحه في سنة ١٩١٠. يضم المتحف مجموعات متنوعة ونادرة من الفن القبطي، الذي يحكي قصة امتزاج الفن المصري بالروح المسيحية، ويقع في قلب منطقة مصر القديمة، وتحديدًا داخل أسوار حصن بابليون، وهي منطقة تاريخية تحتضن بين جنباتها معالم دينية تمثل مختلف الأديان. بدأ تأسيس المتحف في زمن الفرس، لكن أُجريت عليه العديد من الإضافات في عهد الإمبراطورين الرومانيين أغسطس وتراجان، ثم استكمل الإضافات من جاء بعدهم من أباطرة الرومان. وقد لعب العالم الفرنسي "ماسبيرو" دورًا هامًا في نشأة المتحف، حيث عمل على جمع أعمال الفن القبطي وتخصيص قاعة لها داخل المتحف المصري. وبعد ذلك، طالب مرقس باشا سميكة عام ١٨٩٣م بأن تضم مجموعة الآثار القبطية إلى اهتمامات لجنة حفظ الآثار والفنون، وجاهد طويلاً حتى تمكن من إقامة المبنى الحالي للمتحف الذي افتُتح عام ١٩١٠، وعُيّن هو أول مدير له. أُنشئ المتحف على أرضٍ تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المشرقية، وقد أهداها له البابا كيرلس الخامس، وكا...