التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حديقة الأزهر.. من تلة أنقاض إلى واحة تراثية مُهداة من الفاطميين

كتبت رضوى محمد

تحولت حديقة الأزهر من مكب نفايات دام لأكثر من ألف عام إلى واحدة من أبرز معالم القاهرة التاريخية، تمتد على مساحة ٨٠ فدانًا، وتعد اليوم واحة خضراء تستقطب الزوار من جميع أنحاء العالم، شاهدة على التحول الحضري والثقافي في قلب المدينة. في عام ١٩٨٤، وخلال زيارة الآغا خان الرابع، كريم شاه الحسيني، لمنطقة الدراسة بالقاهرة، لفتت انتباهه تلة مهملة ومليئة بالأنقاض، فرأى فيها فرصة لتحويلها إلى مساحة خضراء مفتوحة. جاءت الفكرة كهدية إلى سكان المدينة، وفي الوقت ذاته تكريمًا لذكرى تأسيس القاهرة على يد أجداده الفاطميين عام ٩٦٩، فبدأت رحلة تحويل الموقع من مكب للنفايات إلى واحدة من أجمل حدائق الشرق الأوسط

بدأ العمل الفعلي في المشروع عام ١٩٩٢، واستمر لأكثر من ٧ سنوات، بتكلفة تجاوزت ٣٠ مليون دولار أمريكي، تحملتها مؤسسة الآغا خان للثقافة، تمت إزالة أكثر من ٧٦٥٠٠٠ متر مكعب من الأنقاض والنفايات، واستخدمت تقنيات متقدمة لمعالجة التربة وتجهيزها للزراعة.

صممت الحديقة على يد المهندس المصري ماهر إستينو، الذي حرص على دمج العناصر المعمارية الإسلامية التقليدية مع التصاميم الحديثة. تضم الحديقة مساحات خضراء واسعة، ونوافير، وممرات مائية، بالإضافة إلى مناطق جلوس مظللة تعرف بـ"التختبوش"، مستوحاة من الطراز الفاطمي.
أسفرت أعمال الحفر عن اكتشاف جزء من سور القاهرة الأيوبي، الذي يرجع تاريخ إنشائه إلى القرن الثاني عشر الميلادي، يمتد على طول ١,٥ كيلومترًا ويصل عمقه إلى ١٥ مترًا، كما تم العثور علي بوابتين تاريختين: باب البرقية وباب المحروق، فهذا الاكتشاف الأثري أضفي للمشروع بعدًا ثقافيًا وأثريًا مهمًا.

لم يقتصر المشروع على إنشاء حديقة فحسب، بل شمل أيضًا برامج تنموية لحي الدرب الأحمر المجاور، أحد أفقر أحياء القاهرة. فتم تقديم ورش عمل تدريبية، وبرامج تمويل صغيرة، ومبادرات تعليمية وصحية، استفاد منها آلاف السكان.

في الطرف الشمالي من الحديقة، يجري تطوير مشروع «أوربان بلازا»، الذي سيضم متحف القاهرة التاريخية، بمساحة عرض تبلغ ٤٠٠٠ متر مربع. سيعرض المتحف حوالي ١٠٠٠ قطعة أثرية، ويهدف إلى تقديم نظرة شاملة لتاريخ القاهرة الحضري والثقافي. تحولت حديقة الأزهر من مكب نفايات إلى رمز للتجديد الحضري والثقافي في القاهرة، إنها ليست مجرد مساحة خضراء، بل دليل حي على قدرة الإرادة والتخطيط لتحويل التحديات إلى فرص.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

محافظة المنيا تتربع على عرش الكافيهات الراقية بلمسة أوروبية وإطلالة نيلية ساحرة

كتبت: ملك سعيد، هبة عادل تُعد محافظة المنيا واحدة من المحافظات المصرية التي شهدت مؤخرًا تطورًا ملحوظًا في قطاع الضيافة والترفيه، وخاصة في مجال الكافيهات، حيث تنوعت وتعددت الأماكن التي تقدم تجارب مميزة للزوار. وتمتاز كافيهات المنيا بقدرتها على الجمع بين الأجواء الراقية، والتصميمات الجذابة، والجودة العالية في تقديم المأكولات والمشروبات، مما حولها إلى وجهات محلية وسياحية تستقطب الزوار من داخل المحافظة وخارجها. من بين الكافيهات التي تركت بصمة واضحة، يبرز كافيه "كازابيلا" بطابعه الإيطالي الراقي، الذي يجمع بين الأناقة والهدوء. ينعكس هذا الطابع بوضوح في التصميم الداخلي الذي يتميز بالألوان الهادئة والديكورات الفخمة، حيث تخلق الإضاءات الدافئة وتفاصيل الورود المنتشرة بالمكان أجواءً من الفخامة والدفء، ليصبح خيارًا مثاليًا لتجمعات العائلة المبهجة أو اللقاءات الهادئة مع الأصدقاء، حيث يلتقي الذوق الرفيع بجمال الطراز الأوروبي. أما كافيه "تكية يونس"، فيمزج بين الطابع الشرقي الأصيل واللمسات العصرية الحديثة. الزخارف ذات الطابع المصري القديم تضفي على المكان جاذبية خاصة تأخذ الزائر في ...

باب الفتوح: معلم تاريخي فاطمي يعكس عبقرية العمارة العسكرية ويجسد دورًا دفاعيًا حيويًا للقاهرة

كتبت رندا كامل   باب الفتوح هو أحد المعالم التاريخية البارزة في القاهرة، وهو رمز لعبقرية العمارة الفاطمية وأحد أقدم أبواب المدينة التي تحمل الكثير من القصص والأحداث المهمة. بُني الباب ليكون نقطة دفاعية استراتيجية، كما كان مدخلًا رئيسيًا للعاصمة من الشمال. يعكس تصميمه الفريد ملامح العمارة العسكرية الفاطمية، مما جعله من أبرز معالم القاهرة القديمة. يقع باب الفتوح في بداية شارع المعز لدين الله الفاطمي. تم بناؤه عام ٤٨٠هـ / ١٠٨٧م، في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، على يد وزيره وقائد جيوشه بدر الجمالي. وقد أُنشئ هذا الباب بهدف تسهيل دخول الجيوش والوفود إلى العاصمة من الشمال، وتعزيز الدفاعات العسكرية للمدينة ضد التهديدات الخارجية. يُعد باب الفتوح نموذجًا فريدًا للهندسة المعمارية العسكرية في العصر الفاطمي. يتكون من برجين مستديرين على جانبي المدخل الرئيسي، وبينهما قوس ضخم يعكس الطابع الدفاعي في التصميم. يحتوي البرجان على غرف مراقبة وفتحات لرمي السهام، مما يبرز الدور العسكري الذي كان يمثله. كما توجد قاعة داخلية كبيرة كانت تُستخدم لتجمع الجنود وكبار الزوار قبل دخول المدينة، بالإضافة إلى ...

كنوز المتحف القبطي.. ستة عشر ألف مقتنى بترتيب زمني دقيق

  كتبت: منة الله هاشم يُعد المتحف القبطي بمثابة نافذة فريدة على تاريخ المسيحية في مصر، فهو أكبر متحف للآثار القبطية في العالم، وقد تم افتتاحه في سنة ١٩١٠. يضم المتحف مجموعات متنوعة ونادرة من الفن القبطي، الذي يحكي قصة امتزاج الفن المصري بالروح المسيحية، ويقع في قلب منطقة مصر القديمة، وتحديدًا داخل أسوار حصن بابليون، وهي منطقة تاريخية تحتضن بين جنباتها معالم دينية تمثل مختلف الأديان. بدأ تأسيس المتحف في زمن الفرس، لكن أُجريت عليه العديد من الإضافات في عهد الإمبراطورين الرومانيين أغسطس وتراجان، ثم استكمل الإضافات من جاء بعدهم من أباطرة الرومان. وقد لعب العالم الفرنسي "ماسبيرو" دورًا هامًا في نشأة المتحف، حيث عمل على جمع أعمال الفن القبطي وتخصيص قاعة لها داخل المتحف المصري. وبعد ذلك، طالب مرقس باشا سميكة عام ١٨٩٣م بأن تضم مجموعة الآثار القبطية إلى اهتمامات لجنة حفظ الآثار والفنون، وجاهد طويلاً حتى تمكن من إقامة المبنى الحالي للمتحف الذي افتُتح عام ١٩١٠، وعُيّن هو أول مدير له. أُنشئ المتحف على أرضٍ تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المشرقية، وقد أهداها له البابا كيرلس الخامس، وكا...