كتبت رحاب علي ـ وفاء رضا:
في ظل إيقاع الحياة السريع وتراجع الاهتمام بالحرف التراثية، تبرز تجربة فنية وإنسانية فريدة في أسيوط، حيث استطاع الفنان التشكيلي سعد زغلول أن يعيد الحياة إلى واحدة من أرقى الحرف اليدوية في مصر: "التلي". لم يكن حلمه مجرد توثيق لذاكرة بصرية، بل سعى إلى تحويل منزله إلى مساحة نابضة بالفن والتراث، جمعت بين الإبداع الشخصي والحفاظ على هوية ثقافية كادت أن تنسى. من هنا، بدأ متحف "بيت التلي"، ليصبح شاهدًا على قصة استثنائية من الإحياء الثقافي والانتماء لجذور المكان.
تم تأسيس المتحف عام ١٩٩٤ على يد الفنان التشكيلي سعد زغلول كمركز لحماية التراث، بهدف إحياء حرفة "التلي" التي كانت مهددة بالاندثار. في عام ٢٠١٥، تم تحويل "بيت التلي" إلى متحف خاص يضم مجموعة من أعمال الفنان سعد زغلول، إلى جانب مشغولات تراثية متنوعة، ليصبح مركزًا ثقافيًا متكاملاً يعرض تراثًا فنيًا غنيًا.
يقع المتحف في شارع بيت التلي، المتفرع من شارع أحمد حسن الباقوري، كورنيش الإبراهيمية بأسيوط، ويعد اليوم مركزًا فاعلًا في الحفاظ على التراث الثقافي المحلي وتعليم الحرف التقليدية، مما يسهم في تنمية المجتمع المحلي وتوفير فرص عمل، خاصةً للنساء في القرى، من خلال إدماج حرفة التلي في تصميم الأزياء الحديثة، والحقائب، والإكسسوارات، والديكور.
كلمة "التلي" مشتقة من الكلمة الفرنسية Tulle، وتعني نوعًا من الأقمشة الرقيقة. وهي حرفة تطريز يدوي فاخر تعتمد على استخدام خيوط معدنية من الذهب أو الفضة تطرز يدويًا على أقمشة خفيفة كالحرير أو الشيفون، بزخارف هندسية أو نباتية دقيقة ومتناسقة. وقد عرفت هذه الحرفة في مصر منذ قرون، وارتبطت بشكل خاص بملابس العرائس والزي النسائي التقليدي في صعيد مصر، حيث كانت نساء أسيوط يرتدين "الطرحة التلي" أو "العباية التلي" في المناسبات والأفراح.
يمر إنتاج التلي بعدة مراحل تبدأ باختيار القماش المناسب، ثم تجهيز النول اليدوي، وهو آلة خشبية بسيطة تثبت عليها الخيوط، ومن ثم تبدأ عملية التطريز الدقيقة بخيوط الذهب أو الفضة، وأخيرًا تأتي مرحلة التثبيت والتشطيب.
يتكون المتحف من أربعة طوابق، تشمل قسم الفنون التشكيلية الذي يضم لوحات وأعمال الفنان سعد زغلول، بالإضافة إلى مقتنيات من الفن المصري الحديث. ويضم أيضًا قسم مشغولات التلي، حيث تعرض قطع مطرزة يدويًا بخيوط الذهب تعكس جماليات هذه الحرفة التراثية. كما يحتوي على قسم لأعمال النحت والمشغولات اليدوية، يجسد مراحل زمنية مختلفة من التراث المصري. وأخيرًا، يوجد بالمتحف مكتبة ومقهى ثقافي يوفران مساحة تعليمية وثقافية مفتوحة للزوار.
لا يقتصر دور المتحف على العرض فقط، بل يقدم ورش عمل فنية للأطفال في مجالات متعددة كالرسم، والخزف، والنحت، والكروشيه، إلى جانب تعليم الإتيكيت والموسيقى، كما ينظم المتحف مهرجان سعد زغلول السنوي وفعاليات ثقافية تهدف إلى تنمية مهارات الأطفال والشباب.
يظل "بيت التلي" في أسيوط مثالًا على قدرة الفن والحرف التراثية على الصمود والتجدد. المتحف لا يقتصر على كونه مجرد مكان لعرض الأعمال الفنية، بل هو مساحة تعكس ارتباط المصريين بجذورهم الثقافية، وتؤكد أهمية الحفاظ على الحرف التقليدية. من خلال فعالياته وورش العمل، يسهم المتحف في نقل هذا الإرث للأجيال الجديدة، ويحيي شغفًا بالحرف اليدوية والهوية الوطنية، ليكون نقطة انطلاق لمستقبل يحترم ماضيه ويستلهمه في نفس
كتبت فرح بهاء: حمام السلطان إينال، من أقدم الحمامات الشعبية في القاهرة، حيث يبلغ عمره حوالي ٧٠٠ عام، ليبقى دليلًا على جمال العمارة في ذلك الوقت، وعادات اجتماعية قديمة اعتادها الناس منذ زمن بعيد. يقع حمام السلطان الأشرف إينال بجوار المدرسة الكاملية في منطقة الجمالية بشارع المعز، ويُعد واحدًا من أهم المعالم الأثرية في القاهرة. بناه السلطان إينال عام ٨٦١هـ / ١٤٥٦م، واستلهم تصميمه من الطراز العثماني الذي كان يُعتمد في بناء الحمامات التقليدية، والتي كانت ترمز إلى الرفاهية والاسترخاء. بدأ السلطان الأشرف إينال حياته في مناصب صغيرة حتى وصل إلى قيادة الجيش في عهد السلطان جقمق، ثم سنحت له الفرصة لتولي حكم مصر بعد خلع السلطان المنصور عثمان بن جقمق. تميّز إينال ببعض الصفات الجيدة، مثل حرصه على تطبيق الشريعة فيما يخص أحكام القتل، وعدم ميله للتملق، لكنه كان أميًا لا يجيد القراءة، حتى إنه لم يكن قادرًا على قراءة الفاتحة، وكانت صلاته سريعة. شهد عصره اضطرابات عديدة، حيث واجه سبع ثورات داخلية بسبب سياسته التي اعتمدت على تعيين المماليك الكبار في السن، الذين عرفوا بتمردهم وفسادهم، على عكس الحكام ال...




تعليقات
إرسال تعليق