التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مطعم الدهان.. تاريخ المذاق المصري التراثي

كتبت: فرح بهاء

في القاهرة الفاطمية، وتحديدًا في منطقة الحسين التي لا تعرف النوم، يوجد مطعم “الدهان” كواحد من أقدم رموز المذاق المصري الأصيل. ليس مجرد مطعم بل ذاكرة مفتوحة تحوي رائحة الفحم المشوي، ونكهة الكباب التي تشبه وصفات الجدات، ودفء المكان الذي يعيد الزائر إلى زمنٍ كانت البساطة فيه عنوانًا للجودة.

تأسس “الدهان” عام ١٩٠٨، ليصبح علامة مميزة في تاريخ الطهي المصري، خاصة في مجال اللحوم المشوية. وعلى مدار أكثر من قرن، حافظ المطعم على وصفاته التقليدية، وتتبيلته الخاصة التي تُعد سرًّا تتوارثه الأجيال. من الكباب والكفتة، إلى طواجن اللحم الضاني، و”الفتة” المصرية المحضّرة بدقة، يحمل كل طبق حكاية تتردد بين الجدران وتعيش في ذاكرة رواده.

ويتميز المطعم بتصميم داخلي بسيط ومريح، يعبّر عن روح الحسين الشعبية، ويعكس طابعًا تراثيًا لا يغيب. الزبائن من كل الفئات والجنسيات يجلسون جنبًا إلى جنب، يتشاركون في حب الطعام المصري، ويجمعهم شغف التجربة الأصيلة.

ومع حلول شهر رمضان، تزداد أجواء مطعم الدهان خصوصية، إذ تتحوّل المنطقة المحيطة به إلى مشهد تراثي ينبض بالحياة. الزينة تتدلّى من الشرفات، والفوانيس النحاسية تضيء الأرصفة، بينما تنبعث من المطعم رائحة اللحوم المشوية الممزوجة بعبق البخور المنبعث من دكاكين العطارة المجاورة.

يحرص كثير من الصائمين على الإفطار في “الدهان”، وسط أجواء روحانية تبدأ من أذان المغرب وتستمر حتى ما بعد التراويح. تتزاحم الطاولات، وتتحول الوجبات إلى طقس جماعي يُشعر الزائر وكأنه في ضيافة عائلية. أما في الخارج، فتكتمل التجربة بعروض التنورة، والإنشاد الصوفي، وصوت “يا مولاي” الذي يعلو بين أزقة الحسين، وكأن التاريخ يعيد نفسه كل ليلة.

ولا تكتمل زيارة “الدهان” دون التجول في البازارات المجاورة، حيث تصطف المشغولات النحاسية، والفوانيس اليدوية، والمطرزات والخيامية التي تعكس روح الحرف المصرية. وفي أحد أركان السوق، يجلس الحاج صابر، شيخ الحرفيين، مشغولا في نقش قطعة نحاسية وهو يقول: “إحنا مش بنشتغل في صنعة.. إحنا بنورّث حكاية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللي اختشوا ماتوا" مثل شعبي ارتبط بحادثة الحريق في حمام السلطان اينال

كتبت فرح بهاء: حمام السلطان إينال، من أقدم الحمامات الشعبية في القاهرة، حيث يبلغ عمره حوالي ٧٠٠ عام، ليبقى دليلًا على جمال العمارة في ذلك الوقت، وعادات اجتماعية قديمة اعتادها الناس منذ زمن بعيد. يقع حمام السلطان الأشرف إينال بجوار المدرسة الكاملية في منطقة الجمالية بشارع المعز، ويُعد واحدًا من أهم المعالم الأثرية في القاهرة. بناه السلطان إينال عام ٨٦١هـ / ١٤٥٦م، واستلهم تصميمه من الطراز العثماني الذي كان يُعتمد في بناء الحمامات التقليدية، والتي كانت ترمز إلى الرفاهية والاسترخاء. بدأ السلطان الأشرف إينال حياته في مناصب صغيرة حتى وصل إلى قيادة الجيش في عهد السلطان جقمق، ثم سنحت له الفرصة لتولي حكم مصر بعد خلع السلطان المنصور عثمان بن جقمق. تميّز إينال ببعض الصفات الجيدة، مثل حرصه على تطبيق الشريعة فيما يخص أحكام القتل، وعدم ميله للتملق، لكنه كان أميًا لا يجيد القراءة، حتى إنه لم يكن قادرًا على قراءة الفاتحة، وكانت صلاته سريعة. شهد عصره اضطرابات عديدة، حيث واجه سبع ثورات داخلية بسبب سياسته التي اعتمدت على تعيين المماليك الكبار في السن، الذين عرفوا بتمردهم وفسادهم، على عكس الحكام ال...

المعز: شارع أثري في القاهرة القديمة يضم أكثر من ٢١٥ أثر إسلامي

  كتبت منة الله هاشم: يحمل شارع المعز لدين الله الفاطمي بين جنباته أكثر من ألف عام من الحضارة الأسلامية ليشكل وجدان شعبه، باعتباره أقدم وأطول شارع في العالم تزينه جواهر المعمار الإسلامي، كما يعد أكبر متحف إسلامي مفتوح في العالم ويوجد به حوالى ٢١٥ أثر إسلامي هام ويمتد شارع المعز من باب زويله بالدرب الاحمر مرورًا بالغورية وشارع الصاغة ووصولًا الى باب الفتوح بالجمالية.  يطلق أيضًا على شارع المعز اسم الشارع الأعظم أو بين القصرين أو قصبة القاهرة أو قصبة القاهرة الكبرى، فهو قلب مدينة القاهرة القديمة، يُعد الشارع حاليًا متحفًا مفتوحًا يضم مجموعة من آثار مدينة القاهرة الإسلامية في الفترة من القرن العاشر حتي القرن التاسع عشر بعد الميلاد، فضلاً عن الثراء المعماري وتنوعه بين العمارة الدينية والسكنية والتجارية والخيرية والعسكرية، يقع الشارع داخل نطاق القاهرة التاريخية التي تم إدراجها على قائمة مواقع التراث العالمي عام ١٩٧٩م. يضم الشارع نحو ٣٥ أثرًا إسلاميًا من مختلف العصور منها الفاطمي والمملوكي والعثماني، كما تضم الشوارع المتفرعة منه نحو ٤٣ أثرًا. تتنوع هذه الآثار بين القصور والمنازل وال...

كنوز المتحف القبطي.. ستة عشر ألف مقتنى بترتيب زمني دقيق

  كتبت: منة الله هاشم يُعد المتحف القبطي بمثابة نافذة فريدة على تاريخ المسيحية في مصر، فهو أكبر متحف للآثار القبطية في العالم، وقد تم افتتاحه في سنة ١٩١٠. يضم المتحف مجموعات متنوعة ونادرة من الفن القبطي، الذي يحكي قصة امتزاج الفن المصري بالروح المسيحية، ويقع في قلب منطقة مصر القديمة، وتحديدًا داخل أسوار حصن بابليون، وهي منطقة تاريخية تحتضن بين جنباتها معالم دينية تمثل مختلف الأديان. بدأ تأسيس المتحف في زمن الفرس، لكن أُجريت عليه العديد من الإضافات في عهد الإمبراطورين الرومانيين أغسطس وتراجان، ثم استكمل الإضافات من جاء بعدهم من أباطرة الرومان. وقد لعب العالم الفرنسي "ماسبيرو" دورًا هامًا في نشأة المتحف، حيث عمل على جمع أعمال الفن القبطي وتخصيص قاعة لها داخل المتحف المصري. وبعد ذلك، طالب مرقس باشا سميكة عام ١٨٩٣م بأن تضم مجموعة الآثار القبطية إلى اهتمامات لجنة حفظ الآثار والفنون، وجاهد طويلاً حتى تمكن من إقامة المبنى الحالي للمتحف الذي افتُتح عام ١٩١٠، وعُيّن هو أول مدير له. أُنشئ المتحف على أرضٍ تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المشرقية، وقد أهداها له البابا كيرلس الخامس، وكا...