كتبت: منة الله هاشم
على ضفاف النيل، ووسط شوارع القاهرة القديمة، يقف حصن عريق هو "حصن بابليون"، الذي شهد تعاقب الحضارات والتغيرات الكبرى في تاريخ البلاد. شُيِّد ليكون درعًا يحمي حدود الإمبراطورية الرومانية، لكنه مع مرور الزمن، تحوّل إلى مركز ديني يحتضن بعضًا من أقدم الكنائس القبطية في العالم. وبين جدرانه، دارت معارك، وأُقيمت صلوات، وبقي أثره خالدًا رغم تقلب العصور. فما قصة هذا الحصن؟ وكيف تحول من موقع عسكري إلى رمز ديني وتاريخي فريد؟
يرجع اسم "حصن بابليون" إلى ما قبل بنائه على يد الإمبراطور الروماني تراجان، إذ كان في الواقع قصر وُضع فيه مجموعة من السجناء الذين أسرهم الملك الفرعوني سنوسرت من مدينة بابل العراقية، التي غزاها قبل قرون من بناء الحصن المعروف اليوم. وتشير مصادر أخرى إلى أن التسمية مشتقة من اسم مدينة بابل نفسها. ويُعرف الحصن أيضًا باسم "قصر الشمع"، وذلك لعادة مصرية قديمة، حيث كان المصريون يوقدون الشموع على أبراج الحصن في بداية كل شهر شمسي، لمراقبة مطالع الشمس ومغاربها وتنقلها بين المنازل والأبراج الفلكية.
يقع حصن بابليون في حي الفسطاط بالقاهرة، عند محطة مار جرجس لمترو الأنفاق، وبالقرب من المتحف القبطي. وقد أمر الإمبراطور تراجان ببنائه في القرن الثاني الميلادي، خلال فترة الاحتلال الروماني لمصر، ثم قام الإمبراطور الروماني أركاديوس بترميمه وتوسيعه وتقويته في القرن الرابع. ويُعد الحصن نقطة التقاء مهمة بين الحضارات التي مرت على مصر، بدءًا من الرومان، مرورًا بالأقباط، ثم المسلمين.
تم اختيار موقع الحصن بعناية عسكرية فائقة، إذ يؤمّن من جهة الحماية للعاصمة المصرية، ومن جهة أخرى يربطها بشمال البلاد، كما أن موقعه على مجرى النيل منحه أهمية اجتماعية وتجارية كبرى. فقد سمح لسكانه بالتنقل على امتداد النيل والعودة بالمؤن والسلاح دون أن تترصدهم عيون الأعداء.
واكتسب الحصن مكانة خاصة في التاريخ العربي الإسلامي، حين حاصره المسلمون بقيادة الصحابي عمرو بن العاص -رضي الله عنه- لعدة أشهر، حتى فتحوه، ومنه دانت لهم مصر بأكملها.
يتميز حصن بابليون بجدرانه الضخمة المصنوعة من الحجر الجيري والطوب الأحمر، ويحتوي على أبراج مستديرة ضخمة كانت تُستخدم للدفاع والمراقبة. وتبلغ مساحته نحو نصف كيلومتر مربع. وتوجد عند بابه القبلي بُرجان، بنيت فوق أحدهما الكنيسة المعلقة، بينما بُنيت كنيسة مار جرجس للروم الأرثوذكس فوق البرج الآخر عند مدخل المتحف القبطي.
أما بقية الحصن، من الجهتين الشرقية والغربية، فقد بُنيت فيها عدة كنائس منها: كنيسة أبو سرجة، وكنيسة مار جرجس، وكنيسة العذراء قصرية الريحان، ودير مار جرجس للراهبات، بالإضافة إلى معبد يهودي. وقد استُخدمت في بنائه أحجار تعود إلى معابد فرعونية، واستُكمل بالبناء باستخدام الطوب الأحمر. وبعد الفتح الإسلامي، بنى عمرو بن العاص عاصمة حكمه "الفسطاط" في نفس منطقة الحصن.
يعود تاريخ بناء الحصن إلى العصر الروماني، وتحديدًا في عهد الإمبراطور تراجان (من عام ٩٨ حتى ١١٧م)، الذي أمر ببنائه كقاعدة عسكرية لحماية حدود مصر الشمالية. ثم قام الإمبراطور أركاديوس (من عام ٣٩٥ حتى ٤٠٨م) بتوسيعه وتعزيزه خلال أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس الميلادي.
ومع مرور الزمن، تحول الحصن إلى مركز ديني مهم، خاصة خلال العصر القبطي، حيث بُنيت داخله عدد من الكنائس التاريخية، أبرزها الكنيسة المعلقة التي تُعد من أقدم الكنائس القبطية في مصر، وكنيسة القديسين سرجيوس وواخس التي يُقال إنها تحتوي على الكهف الذي لجأت إليه العائلة المقدسة خلال رحلتها في مصر، وكنيسة القديسة بربارة التي تتميز بأيقوناتها وزخارفها القبطية النادرة، إلى جانب المعبد اليهودي بن عزرا، الذي يُعتقد أنه موقع العثور على "الجنيزا"، وهي مجموعة وثائق تاريخية يهودية ذات أهمية كبيرة.
ورغم أن معظم أجزاء الحصن قد تعرضت للتآكل والدمار بمرور الزمن، فإن بعض جدرانه وأبراجه لا تزال قائمة، وتُعد شاهدًا حيًّا على عظمة البناء الروماني. واليوم، يُعد الحصن جزءًا من "مجمع الأديان" في مصر القديمة، ويقصده الزوار من مختلف أنحاء العالم لاستكشاف تاريخه الفريد والاستمتاع بمعالمه الأثرية والدينية.
وهكذا، يظل حصن بابليون شاهدًا على عظمة التاريخ المصري، حيث تعاقبت عليه حضارات متعددة، وترك كل منها بصمته. ورغم الزمن، لا يزال صامدًا بشموخه، يروي قصص الماضي، ويؤكد أن مصر كانت وستظل مهدًا للحضارات.



تعليقات
إرسال تعليق