التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقابر الصحابة والتابعين في البهنسة: تزايد الإقبال على مزار تاريخي وروحاني في مواسم الزيارة الدينية

كتب: يوسف أحمد

في صعيد مصر، وتحديدًا على أرض البهنسة بمحافظة المنيا، يقع واحد من أهم المزارات الإسلامية التي تختلط فيها قدسية المكان بعراقة التاريخ؛ حيث يرقد تحت ترابها عدد من الصحابة والتابعين الذين استُشهدوا خلال معركة كبرى أثناء الفتح الإسلامي للبلاد. هذا الموقع العريق لا يحكي فقط قصص البطولة والإيمان، بل يقدم تجربة روحية فريدة لكل من تطأ قدمه أرضه.

تعود قصة هذه المقابر إلى أوائل الفتح الإسلامي لمصر، حين دخلها المسلمون بقيادة عمرو بن العاص. كان بين الصفوف الأولى للجيش عدد كبير من الصحابة والتابعين الذين خاضوا معركة دامية ضد الرومان في مدينة البهنسة، المعروفة آنذاك باسم "أوكسيرينخوس". خلال هذه المواجهة، استُشهد عدد من الصحابة الذين رافقوا الرسول الكريم، إلى جانب تابعيهم، ودُفنوا في مواقع متفرقة من أرض البهنسة. منذ ذلك الحين، أصبحت المدينة تُعرف بـ"بقيع مصر"، تيمنًا ببقيع المدينة المنورة، لما تحتضنه من قبور الصحابة والتابعين.

وتتميز مقابر البهنسة بجوٍ من الرهبة والسكينة، يلف المكان بطابع روحاني خاص. تحيط بالمقابر مساحات خضراء واسعة، وتنتشر القباب الصغيرة فوق القبور، حاملةً أسماء شهداء مثل زيد بن الحارثة، وعبد الله بن زيد، وكعب بن عمرو الأنصاري، وكريب مولى ابن عباس، وغيرهم ممن خلدهم التاريخ في هذه الأرض المباركة.

يزور المكان العديد من الناس على مدار العام؛ فمنهم من يقصد المقابر بدافع التدين وطلب البركة، ومنهم من يدفعه الفضول التاريخي لاكتشاف أسرار هذا الموقع الفريد. كما يتردد آخرون لقراءة الفاتحة أو تقديم النذور، تعبيرًا عن الامتنان والتقدير لأرواح الشهداء.

تزداد حركة الزوار خلال المناسبات الدينية الكبرى، خاصةً في شهر رمضان وليالي النصف من شعبان وليلة القدر. وخلال هذه المواسم، تُقام احتفالات محدودة تنظمها الطرق الصوفية، حيث تتعالى أصوات الذكر والدعاء، مملوءة بالإيمان والخشوع. ورغم أن الطرق المؤدية للمقابر ما تزال بسيطة وغير ممهدة بالكامل، إلا أن ذلك لا يُثني عشاق الروحانيات عن المجيء. وبرغم افتقار الموقع للبنية التحتية السياحية الكاملة، إلا أن الزائرين يجمعون على وصف تجربتهم بأنها "رحلة روحانية من الطراز الأول".

ولا تتوقف أهمية مقابر البهنسة عند بعدها الديني فحسب؛ بل تمثل أيضًا كنزًا أثريًا وتاريخيًا ثمينًا، يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في تنشيط السياحة الدينية بمصر. فوجود مقابر لصحابة والتابعين في قلب الصعيد يضفي على المنطقة بعدًا فريدًا، يجعلها من المواقع ذات القيمة الدينية والتاريخية النادرة. وفي هذا السياق، تعمل حاليًا بعض الجهات الأثرية، بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار، على إدراج البهنسة ضمن خطط التطوير السياحي، مستفيدةً مما تضمه من أطلال رومانية وسور أثري ومقابر مقدسة أخرى.

ويأمل الزوار والمهتمون بالشأن الأثري أن تشهد المنطقة مزيدًا من التطوير، خصوصًا فيما يتعلق بتمهيد الطرق، وتوفير لوحات إرشادية وخدمات عامة، بما يسهل الوصول للموقع، ويضمن تجربة أكثر راحة واحترامًا لقدسية المكان. كما يطالبون بتنظيم رحلات مدرسية وجامعية للتعريف بتاريخ الصحابة والتابعين، وغرس قيم الارتباط بالتاريخ الديني بين الأجيال الجديدة.

في البهنسة، لا تقرأ التاريخ فقط، بل تسير فوقه، وتشعر بنبضه في كل زاوية. هنا، مقابر الصحابة والتابعين ليست مجرد قبور صامتة، بل صفحات ناطقة من تاريخ الإسلام في مصر، وشهادات حية على إخلاص رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. ولهذا، تستحق البهنسة أن تُدرج بجدارة على خريطة السياحة المصرية، لا كمزار ديني فحسب، بل كواحدة من أنقى بقاع التاريخ الحي على أرض الكنانة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللي اختشوا ماتوا" مثل شعبي ارتبط بحادثة الحريق في حمام السلطان اينال

كتبت فرح بهاء: حمام السلطان إينال، من أقدم الحمامات الشعبية في القاهرة، حيث يبلغ عمره حوالي ٧٠٠ عام، ليبقى دليلًا على جمال العمارة في ذلك الوقت، وعادات اجتماعية قديمة اعتادها الناس منذ زمن بعيد. يقع حمام السلطان الأشرف إينال بجوار المدرسة الكاملية في منطقة الجمالية بشارع المعز، ويُعد واحدًا من أهم المعالم الأثرية في القاهرة. بناه السلطان إينال عام ٨٦١هـ / ١٤٥٦م، واستلهم تصميمه من الطراز العثماني الذي كان يُعتمد في بناء الحمامات التقليدية، والتي كانت ترمز إلى الرفاهية والاسترخاء. بدأ السلطان الأشرف إينال حياته في مناصب صغيرة حتى وصل إلى قيادة الجيش في عهد السلطان جقمق، ثم سنحت له الفرصة لتولي حكم مصر بعد خلع السلطان المنصور عثمان بن جقمق. تميّز إينال ببعض الصفات الجيدة، مثل حرصه على تطبيق الشريعة فيما يخص أحكام القتل، وعدم ميله للتملق، لكنه كان أميًا لا يجيد القراءة، حتى إنه لم يكن قادرًا على قراءة الفاتحة، وكانت صلاته سريعة. شهد عصره اضطرابات عديدة، حيث واجه سبع ثورات داخلية بسبب سياسته التي اعتمدت على تعيين المماليك الكبار في السن، الذين عرفوا بتمردهم وفسادهم، على عكس الحكام ال...

المعز: شارع أثري في القاهرة القديمة يضم أكثر من ٢١٥ أثر إسلامي

  كتبت منة الله هاشم: يحمل شارع المعز لدين الله الفاطمي بين جنباته أكثر من ألف عام من الحضارة الأسلامية ليشكل وجدان شعبه، باعتباره أقدم وأطول شارع في العالم تزينه جواهر المعمار الإسلامي، كما يعد أكبر متحف إسلامي مفتوح في العالم ويوجد به حوالى ٢١٥ أثر إسلامي هام ويمتد شارع المعز من باب زويله بالدرب الاحمر مرورًا بالغورية وشارع الصاغة ووصولًا الى باب الفتوح بالجمالية.  يطلق أيضًا على شارع المعز اسم الشارع الأعظم أو بين القصرين أو قصبة القاهرة أو قصبة القاهرة الكبرى، فهو قلب مدينة القاهرة القديمة، يُعد الشارع حاليًا متحفًا مفتوحًا يضم مجموعة من آثار مدينة القاهرة الإسلامية في الفترة من القرن العاشر حتي القرن التاسع عشر بعد الميلاد، فضلاً عن الثراء المعماري وتنوعه بين العمارة الدينية والسكنية والتجارية والخيرية والعسكرية، يقع الشارع داخل نطاق القاهرة التاريخية التي تم إدراجها على قائمة مواقع التراث العالمي عام ١٩٧٩م. يضم الشارع نحو ٣٥ أثرًا إسلاميًا من مختلف العصور منها الفاطمي والمملوكي والعثماني، كما تضم الشوارع المتفرعة منه نحو ٤٣ أثرًا. تتنوع هذه الآثار بين القصور والمنازل وال...

كنوز المتحف القبطي.. ستة عشر ألف مقتنى بترتيب زمني دقيق

  كتبت: منة الله هاشم يُعد المتحف القبطي بمثابة نافذة فريدة على تاريخ المسيحية في مصر، فهو أكبر متحف للآثار القبطية في العالم، وقد تم افتتاحه في سنة ١٩١٠. يضم المتحف مجموعات متنوعة ونادرة من الفن القبطي، الذي يحكي قصة امتزاج الفن المصري بالروح المسيحية، ويقع في قلب منطقة مصر القديمة، وتحديدًا داخل أسوار حصن بابليون، وهي منطقة تاريخية تحتضن بين جنباتها معالم دينية تمثل مختلف الأديان. بدأ تأسيس المتحف في زمن الفرس، لكن أُجريت عليه العديد من الإضافات في عهد الإمبراطورين الرومانيين أغسطس وتراجان، ثم استكمل الإضافات من جاء بعدهم من أباطرة الرومان. وقد لعب العالم الفرنسي "ماسبيرو" دورًا هامًا في نشأة المتحف، حيث عمل على جمع أعمال الفن القبطي وتخصيص قاعة لها داخل المتحف المصري. وبعد ذلك، طالب مرقس باشا سميكة عام ١٨٩٣م بأن تضم مجموعة الآثار القبطية إلى اهتمامات لجنة حفظ الآثار والفنون، وجاهد طويلاً حتى تمكن من إقامة المبنى الحالي للمتحف الذي افتُتح عام ١٩١٠، وعُيّن هو أول مدير له. أُنشئ المتحف على أرضٍ تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المشرقية، وقد أهداها له البابا كيرلس الخامس، وكا...