التخطي إلى المحتوى الرئيسي

البهنسة.. مدينة الشهداء في المنيا بين عراقة التاريخ وإهمال الاهتمام السياحي

كتب يوسف أحمد:

تقع مدينة "البهنسة" في محافظة المنيا، على أطراف الصحراء الغربية، وتعتبر من المدن التي تجمع بين التاريخين الإسلامي والقبطي. يُعرف عنها أنها تضم أضرحة عدد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين استشهدوا في معركة الفتح الإسلامي لمصر، ما يجعلها موقعًا ذا أهمية تاريخية كبيرة. وعلى الرغم من هذا التاريخ العريق، إلا أن المدينة لا تزال تعاني من إهمال السياحة الرسمية.

رغم القيمة الدينية والتاريخية الهائلة التي تتمتع بها البهنسة، والتي تجعلها من أغنى مناطق التراث الإسلامي والقبطي في صعيد مصر، إلا أنها لا تزال مغيبة عن خريطة السياحة الرسمية، وتفتقر إلى الاهتمام الكافي من الجهات المعنية بالتنمية السياحية.

تعود جذور البهنسة إلى العصور القديمة، حيث كانت تعرف باسم "أوكسيرينخوس" خلال الحقبة اليونانية والرومانية. وقد لعبت المدينة دورًا محوريًا كمركز للعلم والثقافة، وشهدت اكتشاف آلاف البرديات الهامة المؤرخة لحياة المصريين في تلك الفترات، والتي تُعرض الآن في متاحف أوروبا.

عندما أشرق نور الإسلام على مصر، تحولت البهنسا إلى ساحة قتال بين المسلمين والروم. وقد ارتوت هذه الأرض بدماء صحابة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والتابعين، الذين استشهدوا ودفنوا في ترابها، ليصبح بذلك مزارًا دينيًا شامخًا، يجذب الزائرين من كل أنحاء البلاد.

تستقبل البهنسة بشكل دوري زوارًا يتوافدون لزيارة مقامات الصحابة المنتشرة في أرجاء البلدة، وعلى رأسها قبر محمد بن أبي بكر رضي الله عنه، بالإضافة إلى أضرحة يُعتقد أنها تعود للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما وغيرهم. وتكتسب هذه المقامات أجواء من الروحانية والقدسية، يشعر بها الزائر فور دخوله أرض المنطقة.

عبر أهالي البهنسة خلال لقاءات عن آمالهم في إدراج منطقتهم ضمن خطط التنمية السياحية، بما يعكس أهميتها التاريخية والدينية. وأكدوا على ضرورة تحسين البنية التحتية وتوفير الخدمات الضرورية لاستقبال الزوار.

على الرغم من بعض الجهود المحدودة لضم البهنسة إلى مسارات السياحة الدينية، فإنها لا تزال خارج نطاق التركيز الرسمي. وفي هذا السياق، تتصاعد الأصوات المطالبة بتوفير بنية تحتية وخدمات أساسية للزائرين، كإشارات التوجيه ومرافق أساسية. تبقى البهنسة، بما تحمله من عبق التاريخ الإسلامي والقبطي، وجهة سياحية واعدة تنتظر من يزيح عنها غبار الإهمال. إنها كنز دفين يمكن أن يثري خريطة السياحة في صعيد مصر بشكل كبير، فقط إذا وجدت الالتفاتة الجادة والجهود المخلصة لإبراز كنوزها الدفينة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللي اختشوا ماتوا" مثل شعبي ارتبط بحادثة الحريق في حمام السلطان اينال

كتبت فرح بهاء: حمام السلطان إينال، من أقدم الحمامات الشعبية في القاهرة، حيث يبلغ عمره حوالي ٧٠٠ عام، ليبقى دليلًا على جمال العمارة في ذلك الوقت، وعادات اجتماعية قديمة اعتادها الناس منذ زمن بعيد. يقع حمام السلطان الأشرف إينال بجوار المدرسة الكاملية في منطقة الجمالية بشارع المعز، ويُعد واحدًا من أهم المعالم الأثرية في القاهرة. بناه السلطان إينال عام ٨٦١هـ / ١٤٥٦م، واستلهم تصميمه من الطراز العثماني الذي كان يُعتمد في بناء الحمامات التقليدية، والتي كانت ترمز إلى الرفاهية والاسترخاء. بدأ السلطان الأشرف إينال حياته في مناصب صغيرة حتى وصل إلى قيادة الجيش في عهد السلطان جقمق، ثم سنحت له الفرصة لتولي حكم مصر بعد خلع السلطان المنصور عثمان بن جقمق. تميّز إينال ببعض الصفات الجيدة، مثل حرصه على تطبيق الشريعة فيما يخص أحكام القتل، وعدم ميله للتملق، لكنه كان أميًا لا يجيد القراءة، حتى إنه لم يكن قادرًا على قراءة الفاتحة، وكانت صلاته سريعة. شهد عصره اضطرابات عديدة، حيث واجه سبع ثورات داخلية بسبب سياسته التي اعتمدت على تعيين المماليك الكبار في السن، الذين عرفوا بتمردهم وفسادهم، على عكس الحكام ال...

المعز: شارع أثري في القاهرة القديمة يضم أكثر من ٢١٥ أثر إسلامي

  كتبت منة الله هاشم: يحمل شارع المعز لدين الله الفاطمي بين جنباته أكثر من ألف عام من الحضارة الأسلامية ليشكل وجدان شعبه، باعتباره أقدم وأطول شارع في العالم تزينه جواهر المعمار الإسلامي، كما يعد أكبر متحف إسلامي مفتوح في العالم ويوجد به حوالى ٢١٥ أثر إسلامي هام ويمتد شارع المعز من باب زويله بالدرب الاحمر مرورًا بالغورية وشارع الصاغة ووصولًا الى باب الفتوح بالجمالية.  يطلق أيضًا على شارع المعز اسم الشارع الأعظم أو بين القصرين أو قصبة القاهرة أو قصبة القاهرة الكبرى، فهو قلب مدينة القاهرة القديمة، يُعد الشارع حاليًا متحفًا مفتوحًا يضم مجموعة من آثار مدينة القاهرة الإسلامية في الفترة من القرن العاشر حتي القرن التاسع عشر بعد الميلاد، فضلاً عن الثراء المعماري وتنوعه بين العمارة الدينية والسكنية والتجارية والخيرية والعسكرية، يقع الشارع داخل نطاق القاهرة التاريخية التي تم إدراجها على قائمة مواقع التراث العالمي عام ١٩٧٩م. يضم الشارع نحو ٣٥ أثرًا إسلاميًا من مختلف العصور منها الفاطمي والمملوكي والعثماني، كما تضم الشوارع المتفرعة منه نحو ٤٣ أثرًا. تتنوع هذه الآثار بين القصور والمنازل وال...

كنوز المتحف القبطي.. ستة عشر ألف مقتنى بترتيب زمني دقيق

  كتبت: منة الله هاشم يُعد المتحف القبطي بمثابة نافذة فريدة على تاريخ المسيحية في مصر، فهو أكبر متحف للآثار القبطية في العالم، وقد تم افتتاحه في سنة ١٩١٠. يضم المتحف مجموعات متنوعة ونادرة من الفن القبطي، الذي يحكي قصة امتزاج الفن المصري بالروح المسيحية، ويقع في قلب منطقة مصر القديمة، وتحديدًا داخل أسوار حصن بابليون، وهي منطقة تاريخية تحتضن بين جنباتها معالم دينية تمثل مختلف الأديان. بدأ تأسيس المتحف في زمن الفرس، لكن أُجريت عليه العديد من الإضافات في عهد الإمبراطورين الرومانيين أغسطس وتراجان، ثم استكمل الإضافات من جاء بعدهم من أباطرة الرومان. وقد لعب العالم الفرنسي "ماسبيرو" دورًا هامًا في نشأة المتحف، حيث عمل على جمع أعمال الفن القبطي وتخصيص قاعة لها داخل المتحف المصري. وبعد ذلك، طالب مرقس باشا سميكة عام ١٨٩٣م بأن تضم مجموعة الآثار القبطية إلى اهتمامات لجنة حفظ الآثار والفنون، وجاهد طويلاً حتى تمكن من إقامة المبنى الحالي للمتحف الذي افتُتح عام ١٩١٠، وعُيّن هو أول مدير له. أُنشئ المتحف على أرضٍ تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المشرقية، وقد أهداها له البابا كيرلس الخامس، وكا...