كتبت فرح بهاء الدين:
بين ثنايا القاهرة الفاطمية، وعلى مقربة من الجامع الأزهر، يتصدر مسجد محمد بك أبو الذهب مشهد العمارة الإسلامية في العصر العثماني، جامعًا بين الجمال الفني والدور التعليمي. لم يكن مجرد مسجد، بل كان مدرسة ودار علم، وواحدًا من المعالم التي تجلت في تفاصيلها روح العصر، وهمومه، وطموحاته. أنشأه صاحبه ليكون وقفًا على طلاب العلم، وسجلًا منقوشًا في ذاكرة القاهرة عن رجلٍ لقب بـ"أبو الذهب"، فخلدته حجارة المسجد وأروقته وقبابه المزينة.
يقع مسجد محمد بك أبو الذهب أمام الجامع الأزهر مباشرة، ويعد من أبرز المعالم المعمارية الإسلامية التي ترجع إلى العصر العثماني في مصر. أنشأه الأمير محمد بك أبو الذهب سنة ١١٨٧هـ / ١٧٧٣م، ليكون في الأساس مدرسة تهدف إلى استيعاب الأعداد المتزايدة من طلاب العلم الوافدين إلى الجامع الأزهر، حيث تم تدريس الفقه بمذاهبه الثلاثة: الحنفي، والمالكي، والشافعي، بالإضافة إلى علوم التفسير، الحديث، النحو، الفرائض، والمنطق.
ويعد هذا المسجد رابع المساجد التي شيدت في مصر على الطراز العثماني بعد مسجد سارية الجبل بالقلعة، ومسجد سنان باشا ببولاق، ومسجد الملكة صفية بالدواودية. وقد بني على نمط مسجد سنان باشا، مع وجود فروق بسيطة في التصميم.
يأخذ المسجد شكلًا مربعًا، وتغطيه قبة ضخمة ذات رقبة تتكون من ستة عشر ضلعًا، فتحت بها نوافذ من الجص والزجاج الملون، وتم تزيين القبة بنقوش مذهبة، لم يتبقَ منها إلا آثار بسيطة.
وقد بني المسجد على أرض خان الزراكشة بعد أن اشتراها أبو الذهب، وهدم المباني القديمة المقامة عليها، واحتفظ بمدخلها الذي يقع أمام الواجهة البحرية، ثم أنشأ المسجد فوقها بارتفاع عن الشارع، لذلك يعتبر من "المساجد المعلقة"، ويصعد إليه بدرج مزدوج. أما أسفل واجهتيه، فتوجد دكاكين.
للمسجد واجهتان أساسيتان: الأولى تطل على ميدان الأزهر وتواجه مسجد الحسين، وتتوسطها بوابة رئيسية. أما الواجهة الثانية، فتقع في الجهة المقابلة لباب المزينين بمدخل الجامع الأزهر، وتنتهي هي الأخرى بمدخل ثان مشابه للمدخل الرئيسي.
يحتوي المسجد على ثلاثة أبواب تؤدي إلى أروقة تحيط به من ثلاث جهات، وهذه الأروقة مغطاة بقباب صغيرة محمولة على أعمدة من الرخام. يتوسط الجدار الجنوبي الشرقي محراب مجوف، مكسو بكسوة رخامية ومزخرف بالصدف. إلى جواره يوجد منبر خشبي نادر يتميز بزخارف دقيقة، ويعد من المنابر المميزة، خاصة في عصر الدولة العثمانية. ألحق بالمسجد عدد من المرافق المهمة، مثل تكية لإقامة المتصوفة الأتراك، وسبيل، وصهريج لحفظ المياه، وحوض لسقي الدواب. كما أنشئت مكتبة ضخمة ضمت في بدايتها ٦٥٠ كتابًا من كتب العلم والدين، اشتراها أبو الذهب من مكتبة الشيخ أحمد بن محمد بن شاهين الراشدي، وأضاف إليها كتبًا أخرى منها "شرح القاموس". وفي القرن الثالث عشر الهجري، بلغ عدد الكتب بالمكتبة نحو ١٢٩٢ مجلدًا، إلى جانب مصاحف مذهبة نادرة.
كان محمد بك أبو الذهب أحد المماليك التابعين لعلي بك الكبير، وقد اشتراه سنة ١١٧٥هـ / ١٧٦١م، ثم قربه منه وزوجه ابنته، وعينه في مناصب عليا حتى أصبح الخازندار. ومن شدة فرحه بهذا المنصب وزع الذهب على الفقراء في طريقه من القلعة إلى منزله، فلقب بـ"أبو الذهب".
ورغم وفائه الظاهري لعلي بك الكبير، فإنه خان سيده وتحالف مع الدولة العثمانية ضده، مما أدى إلى هزيمة علي بك وموته سنة ١١٨٨هـ / ١٧٧٤م، وهي نفس السنة التي تولى فيها محمد بك أبو الذهب حكم مصر.
يمثل مسجد محمد بك أبو الذهب أكثر من مجرد معلم أثري؛ فهو صفحة نابضة من تاريخ القاهرة، تجسدت فيها ملامح العصر العثماني، وتقاطعت عندها خطوط العلم والعمارة والسياسة. في كل ركن من أركانه حكاية، وفي كل زخرفة بصمة، لتبقى سيرته محفورة في ذاكرة المدينة.

تعليقات
إرسال تعليق