التخطي إلى المحتوى الرئيسي

٨٥٠ مليون جنيه أعادت له الحياة مسجد الحاكم بأمر اللّٰه شاهدٌ على ألف عام من التاريخ



كتبت منة الله هاشم، فرح بهاء:

مسجد الحاكم بأمر اللّٰه، أحد أقدم وأكبر المساجد الفاطمية في القاهرة، يقف شاهدًا على أكثر من ألف عام من التاريخ الإسلامي. بُني في نهاية القرن العاشر الميلادي، ويتميّز بطرازه المعماري الفريد وموقعه المميز في شارع المعز. رغم ما تعرض له من أضرار وزلازل، أعادت له الحياة أعمال الترميم التي بلغت تكلفتها ٨٥٠ مليون جنيه، ليبقى صرحًا دينيًا وثقافيًا وسياحيًا يعكس عظمة العمارة الإسلامية.


وُضعت اللبنة الأولى لأحد أقدم المساجد الفاطمية وأكبرها مساحة في عام (٩٨٩م) ، حين أمر الخليفة الفاطمي العزيز بأمر اللّٰه ببناء مسجد جديد يستوعب عدد المصلين والدارسين، بدلًا من مسجد الأزهر الشريف. لكن عملية البناء توقفت عند وفاته، فأتمه ابنه الحاكم بأمر الله عام (١٠١٣ م) ونُسب إليه.



يقع الجامع في نهاية شارع المعز لدين اللّٰه الفاطمي بحي الجمالية، بجوار باب الفتوح. وقد كان المسجد وقت تشييده خارج أسوار القاهرة القديمة التي شيدها جوهر الصقلي، ثم أصبح داخل حدود المدينة بعد أن قام بدر الجمالي عام (٤٨٠هـ / ١٠٨٧م) بتوسعتها وتشييد الأسوار الحالية. ويُعتبر جامع الحاكم بأمر اللّٰه رابع أقدم المساجد الجامعة الباقية في مصر، وثاني أكبر جوامع القاهرة اتساعًا بعد جامع أحمد بن طولون.


يتميز مسجد الحاكم بأمر اللّٰه بمدخله الرئيسي الضخم والمزخرف، والذي يُعد من أقدم المداخل الباقية في العمارة الإسلامية بمصر. وجاء تخطيط المسجد مشابهًا إلى حد كبير لتخطيط جامع الأزهر، حيث يتخذ شكلًا شبه مربع يتوسطه صحن أوسط مكشوف يحيط به أربع ظلات أكبرها ظلة، القبلة في الجانب الجنوبي الشرقي، وتتكون من خمسة أروقة. أما الظلة الشمالية الشرقية فتتكون من رواقين فقط، بينما تحتوي الظلتان الشمالية الغربية والجنوبية الغربية على ثلاثة أروقة لكل منهما. ويضم كل رواق مجموعة من العقود، وتعلو الواجهة الرئيسية مئذنتان على شكل برجين، لكل منهما قاعدة مربعة؛ تقع الأولى في الزاوية الشمالية، والثانية في الزاوية الغربية، وهو طراز تأثر بالجامع الأموي في دمشق.


يبلغ طول المسجد ١٢٠.٥، مترًا، وعرضه ١١٣ مترًا، فتكون مساحته أقل من مساحة جامع عمرو بن العاص. يحتوي الجامع على ١٦ نافذة في كل من الحوائط الجانبية، و١٧ نافذة في كل من إيوان القبلة والحائط المقابل له، ويتميز بعمارته الفريدة التي تجمع بين الطراز الفاطمي والمعمار الإسلامي.

وقد تعرّض المسجد لزلزال عنيف عام ١٣٠٣م، مما أدى إلى تلف شديد في بنيانه، حيث تهدّمت العديد من العقود والأعمدة وسقط السقف، كما تهدمت قمّتا المئذنتين وجميع أواوين المسجد، باستثناء بعض العقود في الإيوانين القبلي والشرقي. لذا استخدمته وزارة الأوقاف المصرية لفترة كمخزن لحفظ بعض التحف والآثار الإسلامية، قبل نقلها إلى دار الآثار الحالية، ثم أصبح مقرًا لمدرسة «السلحدار» الابتدائية. وقد قامت إدارة حفظ الآثار العربية بإصلاح أعمدة النصف الغربي من الإيوان القبلي وعقوده.


وفي عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، تكفلت طائفة البهرة الإسماعيلية، التي بدأت بالهجرة إلى مصر، بترميم المسجد بالكامل، تحت إشراف قطاعي المشروعات والآثار الإسلامية والقبطية واليهودية بالمجلس الأعلى للآثار والإدارة العامة للقاهرة التاريخية، بتكلفة بلغت ٨٥٠ مليون جنيه. ويرجع اهتمام البهرة بالمسجد لاعتقادهم بأن المهدي المنتظر سيظهر من داخل أحد آبار المسجد.


ويُعد المسجد مزارًا سياحيًا وأثريًا مهمًا ضمن مسار شارع المعز، حيث يجذب الزوار من جميع أنحاء العالم، ويُستخدم أحيانًا لإقامة الفعاليات الدينية والثقافية، إلى جانب مكانته الكبيرة عند الناس الذين يزورونه خاصة خلال شهر رمضان، ويتولون رعايته بالجهود الذاتية. كما يعتبر مكانًا هامًا للعبادة والدراسة.


ويلعب موقعه في حي الجمالية دورًا كبيرًا في إبراز أهميته، حيث يحده من الشمال سور القاهرة الشمالي وباب الفتوح، ومن الجنوب منازل حديثة البناء، ومن الشرق وكالة قايتباي، ومن الغرب يطل على شارع المعز.


فمسجد الحاكم بأمر اللّٰه لا يُعد مجرد صرح ديني، بل هو كتاب مفتوح يحكي فصولًا من تاريخ القاهرة الإسلامية، وقد مر بفترات ازدهار وتدهور، وشهد تتابع العصور المختلفة، لكنه ظل صامدًا ليُعبّر عن براعة الحضارة الإسلامية، ويبقى جزءًا لا يتجزأ من التاريخ الفاطمي الذي ترك بصمة واضحة في العمارة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

محافظة المنيا تتربع على عرش الكافيهات الراقية بلمسة أوروبية وإطلالة نيلية ساحرة

كتبت: ملك سعيد، هبة عادل تُعد محافظة المنيا واحدة من المحافظات المصرية التي شهدت مؤخرًا تطورًا ملحوظًا في قطاع الضيافة والترفيه، وخاصة في مجال الكافيهات، حيث تنوعت وتعددت الأماكن التي تقدم تجارب مميزة للزوار. وتمتاز كافيهات المنيا بقدرتها على الجمع بين الأجواء الراقية، والتصميمات الجذابة، والجودة العالية في تقديم المأكولات والمشروبات، مما حولها إلى وجهات محلية وسياحية تستقطب الزوار من داخل المحافظة وخارجها. من بين الكافيهات التي تركت بصمة واضحة، يبرز كافيه "كازابيلا" بطابعه الإيطالي الراقي، الذي يجمع بين الأناقة والهدوء. ينعكس هذا الطابع بوضوح في التصميم الداخلي الذي يتميز بالألوان الهادئة والديكورات الفخمة، حيث تخلق الإضاءات الدافئة وتفاصيل الورود المنتشرة بالمكان أجواءً من الفخامة والدفء، ليصبح خيارًا مثاليًا لتجمعات العائلة المبهجة أو اللقاءات الهادئة مع الأصدقاء، حيث يلتقي الذوق الرفيع بجمال الطراز الأوروبي. أما كافيه "تكية يونس"، فيمزج بين الطابع الشرقي الأصيل واللمسات العصرية الحديثة. الزخارف ذات الطابع المصري القديم تضفي على المكان جاذبية خاصة تأخذ الزائر في ...

باب الفتوح: معلم تاريخي فاطمي يعكس عبقرية العمارة العسكرية ويجسد دورًا دفاعيًا حيويًا للقاهرة

كتبت رندا كامل   باب الفتوح هو أحد المعالم التاريخية البارزة في القاهرة، وهو رمز لعبقرية العمارة الفاطمية وأحد أقدم أبواب المدينة التي تحمل الكثير من القصص والأحداث المهمة. بُني الباب ليكون نقطة دفاعية استراتيجية، كما كان مدخلًا رئيسيًا للعاصمة من الشمال. يعكس تصميمه الفريد ملامح العمارة العسكرية الفاطمية، مما جعله من أبرز معالم القاهرة القديمة. يقع باب الفتوح في بداية شارع المعز لدين الله الفاطمي. تم بناؤه عام ٤٨٠هـ / ١٠٨٧م، في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، على يد وزيره وقائد جيوشه بدر الجمالي. وقد أُنشئ هذا الباب بهدف تسهيل دخول الجيوش والوفود إلى العاصمة من الشمال، وتعزيز الدفاعات العسكرية للمدينة ضد التهديدات الخارجية. يُعد باب الفتوح نموذجًا فريدًا للهندسة المعمارية العسكرية في العصر الفاطمي. يتكون من برجين مستديرين على جانبي المدخل الرئيسي، وبينهما قوس ضخم يعكس الطابع الدفاعي في التصميم. يحتوي البرجان على غرف مراقبة وفتحات لرمي السهام، مما يبرز الدور العسكري الذي كان يمثله. كما توجد قاعة داخلية كبيرة كانت تُستخدم لتجمع الجنود وكبار الزوار قبل دخول المدينة، بالإضافة إلى ...

كنوز المتحف القبطي.. ستة عشر ألف مقتنى بترتيب زمني دقيق

  كتبت: منة الله هاشم يُعد المتحف القبطي بمثابة نافذة فريدة على تاريخ المسيحية في مصر، فهو أكبر متحف للآثار القبطية في العالم، وقد تم افتتاحه في سنة ١٩١٠. يضم المتحف مجموعات متنوعة ونادرة من الفن القبطي، الذي يحكي قصة امتزاج الفن المصري بالروح المسيحية، ويقع في قلب منطقة مصر القديمة، وتحديدًا داخل أسوار حصن بابليون، وهي منطقة تاريخية تحتضن بين جنباتها معالم دينية تمثل مختلف الأديان. بدأ تأسيس المتحف في زمن الفرس، لكن أُجريت عليه العديد من الإضافات في عهد الإمبراطورين الرومانيين أغسطس وتراجان، ثم استكمل الإضافات من جاء بعدهم من أباطرة الرومان. وقد لعب العالم الفرنسي "ماسبيرو" دورًا هامًا في نشأة المتحف، حيث عمل على جمع أعمال الفن القبطي وتخصيص قاعة لها داخل المتحف المصري. وبعد ذلك، طالب مرقس باشا سميكة عام ١٨٩٣م بأن تضم مجموعة الآثار القبطية إلى اهتمامات لجنة حفظ الآثار والفنون، وجاهد طويلاً حتى تمكن من إقامة المبنى الحالي للمتحف الذي افتُتح عام ١٩١٠، وعُيّن هو أول مدير له. أُنشئ المتحف على أرضٍ تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المشرقية، وقد أهداها له البابا كيرلس الخامس، وكا...