التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة من مقعدك.. السياحة الافتراضية تفتح أبواب العالم

كتبت فرح بهاء:

في زمن أصبحت فيه الحدود أكثر من مجرد خطوط على الخريطة، وصارت الشاشة بوابتنا الأولى إلى العالم، وُلد مفهوم جديد للسفر، السياحة الافتراضية. لا حاجة إلى جواز سفر، ولا حقائب، ولا خوف من تفويت الطائرات؛ فقط ضغطة زر، وتجد نفسك تتجول داخل متحف اللوفر، أو تسير بين أروقة معبد الكرنك، أو تستمع إلى صوت الأمواج من داخل شواطئ المالديف.

في غرفتها الصغيرة بمدينة أكتوبر، وأمام شاشة اللابتوب، تخبرنا صفا، طالبة جامعية بجامعه ٦ أكتوبر، كيف تمكنت خلال دقائق معدودة عبر أحد المواقع الإلكترونية من الوقوف افتراضيًا داخل مسجد السلطان حسن. تدور الكاميرا ٣٦٠ درجة، تقرأ عن الزخارف الحجرية، وتسمع صوت الأذان يتردد كما لو كانت هناك بالفعل. تقول صفا: "كنت دائمًا أحلم بزيارة هذه الأماكن، لكن الوقت والميزانية لم يكونا يسمحان. الآن أشعر أنني عشت التجربة، حتى لو من بعيد."

تعتمد السياحة الافتراضية على استخدام التكنولوجيا الحديثة، مثل الواقع الافتراضي (VR)، والصور ثلاثية الأبعاد، والجولات التفاعلية، لنقل تجربة السفر إلى شاشة المستخدم. بعض هذه الجولات متاح مجانًا، وأخرى بتذاكر رمزية، لكنها جميعًا تتيح للزائر اكتشاف أماكن قد يصعب عليه الوصول إليها في الواقع.

قد يعتقد البعض أن الجولات الافتراضية لا تضاهي متعة الوجود الحقيقي، لكن هذه التجربة أصبحت اليوم أكثر تطورًا وواقعية. يمكنك أن تمشي داخل المتحف، تختار المسار الذي تريده، وتستمع إلى مرشد صوتي يروي لك القصص والحكايات خلف كل لوحة أو تمثال.

وفي مواقع أثرية مثل "أبو الهول" أو "قلعة صلاح الدين"، تقدم بعض الجولات تفاعلات صوتية ونصوصًا تعريفية، بل تسمح أحيانًا بالضغط على عناصر معينة لاستكشاف كيفية استخدامها في الماضي.

في بلد غني بالتاريخ مثل مصر، تمثل السياحة الافتراضية فرصة ذهبية لإحياء الاهتمام بالأماكن الأثرية. بدلًا من أن تبقى بعض المواقع مغلقة بسبب الترميم أو الإهمال، يمكن فتحها أمام العالم كله عبر جولات رقمية تروّج لها وتحافظ على حضورها في الذاكرة العالمية. تقول مها، مرشدة سياحية: "كنا نعاني أحيانًا من صعوبة وصول الزائرين إلى بعض المواقع، أو من إغلاقها للصيانة. لكن مع استخدام السياحة الافتراضية، يمكن للناس مشاهدتها من أي مكان، مما يخلق لديهم شغفًا أكبر لزيارتها فعليًا لاحقًا. واستخدام هذه التقنية سيضمن لهم تجربة تفاعلية ممتعة، وفي نفس الوقت، يعزز من قدرتهم على اكتشاف الأماكن بسهولة وبدون عناء."

بالفعل، بدأت بعض المتاحف المصرية في مواكبة هذا التطور، مثل المتحف المصري بالتحرير، ومتحف الحضارة، حيث بات بإمكان الزائر التنقل بين القطع الأثرية وقراءة شرح تفصيلي عنها عبر جولات رقمية. واللافت أن بعض الزوار الأجانب أكدوا في تعليقاتهم أنهم خططوا للسفر إلى مصر بعد مشاهدتهم لهذه الجولات.

ورغم أن السياحة الافتراضية لا تُلغي متعة السفر الحقيقي، إلا أنها تقدم بديلًا مثاليًا في أوقات الأزمات، وللأشخاص غير القادرين على السفر، كالمرضى وكبار السن، أو لأولئك الباحثين عن جرعة من الإلهام وسط ضغوط الحياة اليومية.

ليست السياحة الافتراضية مجرد صور تتحرك؛ بل بوابة جديدة لفهم العالم، ولمحبة أماكن لم تطأها أقدامنا بعد. إنها دعوة مفتوحة لاكتشاف العالم، حتى من داخل غرفتك.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللي اختشوا ماتوا" مثل شعبي ارتبط بحادثة الحريق في حمام السلطان اينال

كتبت فرح بهاء: حمام السلطان إينال، من أقدم الحمامات الشعبية في القاهرة، حيث يبلغ عمره حوالي ٧٠٠ عام، ليبقى دليلًا على جمال العمارة في ذلك الوقت، وعادات اجتماعية قديمة اعتادها الناس منذ زمن بعيد. يقع حمام السلطان الأشرف إينال بجوار المدرسة الكاملية في منطقة الجمالية بشارع المعز، ويُعد واحدًا من أهم المعالم الأثرية في القاهرة. بناه السلطان إينال عام ٨٦١هـ / ١٤٥٦م، واستلهم تصميمه من الطراز العثماني الذي كان يُعتمد في بناء الحمامات التقليدية، والتي كانت ترمز إلى الرفاهية والاسترخاء. بدأ السلطان الأشرف إينال حياته في مناصب صغيرة حتى وصل إلى قيادة الجيش في عهد السلطان جقمق، ثم سنحت له الفرصة لتولي حكم مصر بعد خلع السلطان المنصور عثمان بن جقمق. تميّز إينال ببعض الصفات الجيدة، مثل حرصه على تطبيق الشريعة فيما يخص أحكام القتل، وعدم ميله للتملق، لكنه كان أميًا لا يجيد القراءة، حتى إنه لم يكن قادرًا على قراءة الفاتحة، وكانت صلاته سريعة. شهد عصره اضطرابات عديدة، حيث واجه سبع ثورات داخلية بسبب سياسته التي اعتمدت على تعيين المماليك الكبار في السن، الذين عرفوا بتمردهم وفسادهم، على عكس الحكام ال...

المعز: شارع أثري في القاهرة القديمة يضم أكثر من ٢١٥ أثر إسلامي

  كتبت منة الله هاشم: يحمل شارع المعز لدين الله الفاطمي بين جنباته أكثر من ألف عام من الحضارة الأسلامية ليشكل وجدان شعبه، باعتباره أقدم وأطول شارع في العالم تزينه جواهر المعمار الإسلامي، كما يعد أكبر متحف إسلامي مفتوح في العالم ويوجد به حوالى ٢١٥ أثر إسلامي هام ويمتد شارع المعز من باب زويله بالدرب الاحمر مرورًا بالغورية وشارع الصاغة ووصولًا الى باب الفتوح بالجمالية.  يطلق أيضًا على شارع المعز اسم الشارع الأعظم أو بين القصرين أو قصبة القاهرة أو قصبة القاهرة الكبرى، فهو قلب مدينة القاهرة القديمة، يُعد الشارع حاليًا متحفًا مفتوحًا يضم مجموعة من آثار مدينة القاهرة الإسلامية في الفترة من القرن العاشر حتي القرن التاسع عشر بعد الميلاد، فضلاً عن الثراء المعماري وتنوعه بين العمارة الدينية والسكنية والتجارية والخيرية والعسكرية، يقع الشارع داخل نطاق القاهرة التاريخية التي تم إدراجها على قائمة مواقع التراث العالمي عام ١٩٧٩م. يضم الشارع نحو ٣٥ أثرًا إسلاميًا من مختلف العصور منها الفاطمي والمملوكي والعثماني، كما تضم الشوارع المتفرعة منه نحو ٤٣ أثرًا. تتنوع هذه الآثار بين القصور والمنازل وال...

كنوز المتحف القبطي.. ستة عشر ألف مقتنى بترتيب زمني دقيق

  كتبت: منة الله هاشم يُعد المتحف القبطي بمثابة نافذة فريدة على تاريخ المسيحية في مصر، فهو أكبر متحف للآثار القبطية في العالم، وقد تم افتتاحه في سنة ١٩١٠. يضم المتحف مجموعات متنوعة ونادرة من الفن القبطي، الذي يحكي قصة امتزاج الفن المصري بالروح المسيحية، ويقع في قلب منطقة مصر القديمة، وتحديدًا داخل أسوار حصن بابليون، وهي منطقة تاريخية تحتضن بين جنباتها معالم دينية تمثل مختلف الأديان. بدأ تأسيس المتحف في زمن الفرس، لكن أُجريت عليه العديد من الإضافات في عهد الإمبراطورين الرومانيين أغسطس وتراجان، ثم استكمل الإضافات من جاء بعدهم من أباطرة الرومان. وقد لعب العالم الفرنسي "ماسبيرو" دورًا هامًا في نشأة المتحف، حيث عمل على جمع أعمال الفن القبطي وتخصيص قاعة لها داخل المتحف المصري. وبعد ذلك، طالب مرقس باشا سميكة عام ١٨٩٣م بأن تضم مجموعة الآثار القبطية إلى اهتمامات لجنة حفظ الآثار والفنون، وجاهد طويلاً حتى تمكن من إقامة المبنى الحالي للمتحف الذي افتُتح عام ١٩١٠، وعُيّن هو أول مدير له. أُنشئ المتحف على أرضٍ تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المشرقية، وقد أهداها له البابا كيرلس الخامس، وكا...