التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كنيسة أبو سرجة.. ذاكرة العائلة المقدسة وموطئ أقدام الباباوات

كتبت: منة الله هاشم

تعد كنيسة أبو سرجة، أو كنيسة الشهيدين سرجيوس وواخس، واحدة من أهم الوجهات السياحية الدينية في مصر. فهي تتميز بطرازها المعماري الفريد الذي يعكس عبقرية الفن القبطي، كما تحظى بموقع تاريخي مهم، إذ تقع في مجمع الأديان بالقاهرة القديمة، بالقرب من حصن بابليون، وهو المكان الذي يُعتقد أن العائلة المقدسة أقامت فيه أثناء رحلتها إلى مصر، مما يجذب إليها آلاف الزوار من مختلف أنحاء العالم.

تُكرم الكنيسة ذكرى الجنديين الرومانيين سرجيوس وباخوس، اللذين قُتلا في سوريا عام ٢٩٦ بعد الميلاد بسبب تمسكهما بالمسيحية. وتُقام الكنيسة فوق كهف يُقال إن يوسف ومريم والطفل يسوع لجأوا إليه هربًا من اضطهاد هيرودس، الذي أمر بمذبحة المواليد الذكور لتجنب التهديد بمولود الملك الجديد. ويُعد القبو الذي يُنسب إلى إقامة العائلة المقدسة من أبرز معالم الكنيسة، حيث يبلغ عمقه نحو ١٠ أمتار، وغالبًا ما يتعرض للغمر خلال فيضان النيل.

شُيدت الكنيسة في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس، وتُعتبر الأقدم ضمن حدود القاهرة القبطية. وتتميز بملامحها الجمالية والمعمارية التي تجسد جوهر الطراز القبطي في البناء الكنسي.

وللكنيسة أيضًا أهمية تاريخية بارزة؛ فقد كانت مقرًا لكرسي أسقف مصر من القرن السابع حتى القرن الثاني عشر. وكان من التقاليد أن يقيم الباباوات أول قداس لهم فيها بعد تكريزهم في الإسكندرية، وقد شهدت الكنيسة تكريس عدد من الباباوات مثل البابا إسحاق الـ٤١، والبابا إبرام بن زرعة الـ٦٣ عام ٩٧٧، والبابا مكاريوس الثاني الـ٦٩ عام ١١٠٢. بُنيت الكنيسة على الطراز البازيليكي المعتاد، بشكل مستطيل يبلغ طوله ٢٧ مترًا وعرضه ١٧ مترًا، ويتكون من صحن رئيسي بارتفاع كامل يبلغ حوالي ١٥ مترًا من الداخل، في حين تتكون المماشي الجانبية من طابقين. المدخل الرئيسي يقع في الناحية الشمالية الغربية، لكنه غير مستخدم حاليًا، وكذلك المداخل الثانوية، ويُستخدم الآن مدخل في الجدار الغربي. وتنخفض أرضية الكنيسة عن مستوى الشارع الخارجي بنحو ٤ أمتار.

تاريخيًا، تعرضت الكنيسة للحريق مرتين؛ الأولى كانت على يد مروان الثاني، آخر خلفاء بني أمية، عند حرق الفسطاط، وأُعيد ترميمها بواسطة الوزير يوحنا بن يوسف عام ١٠٧٣. أما المرة الثانية، فكانت خلال الفوضى في نهاية العصر الفاطمي، وتم تجديد بنائها في عام ١١٧١.

تزخر الكنيسة بنحو ٧٠ أيقونة أثرية، تعود معظمها إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر، بالإضافة إلى عدد من الفريسكات، كما تضم رفات الشهيدين سرجيوس وواخس، وقد كُشف فيها أيضًا عن جسد الشهيد الراهب بشنونة المقاري.

وفي العصر الحديث، حظيت الكنيسة بزيارات هامة من عدد من الباباوات، أبرزهم البابا كيرلس الخامس عام ١٩٠٠ أثناء افتتاح المتحف القبطي، والقديس البابا كيرلس السادس الذي زارها مرتين، إحداهما خلال تفقده لكنائس بابليون، والثانية في عيد دخول المسيح إلى أرض مصر عام ١٩٦٧. كما شهدت الكنيسة ثلاث زيارات لقداسة البابا تواضروس الثاني منذ توليه السدة المرقسية في ١٨ نوفمبر ٢٠١٢، بالإضافة إلى زيارة البابا متياس الأول بطريرك إثيوبيا عام ٢٠١٥ برفقة وفد من الكنيسة الإثيوبية.

ورغم كل ما مرت به الكنيسة من تحديات، فإنها لا تزال رمزًا للصمود، وتجسد عبقرية الفن المعماري القبطي الأصيل في نقوشها وتفاصيلها. إنها تحفة معمارية وفنية تستحق التأمل والتقدير، وتظل وجهة لا غنى عنها للمؤرخين والزوار على حد سواء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

محافظة المنيا تتربع على عرش الكافيهات الراقية بلمسة أوروبية وإطلالة نيلية ساحرة

كتبت: ملك سعيد، هبة عادل تُعد محافظة المنيا واحدة من المحافظات المصرية التي شهدت مؤخرًا تطورًا ملحوظًا في قطاع الضيافة والترفيه، وخاصة في مجال الكافيهات، حيث تنوعت وتعددت الأماكن التي تقدم تجارب مميزة للزوار. وتمتاز كافيهات المنيا بقدرتها على الجمع بين الأجواء الراقية، والتصميمات الجذابة، والجودة العالية في تقديم المأكولات والمشروبات، مما حولها إلى وجهات محلية وسياحية تستقطب الزوار من داخل المحافظة وخارجها. من بين الكافيهات التي تركت بصمة واضحة، يبرز كافيه "كازابيلا" بطابعه الإيطالي الراقي، الذي يجمع بين الأناقة والهدوء. ينعكس هذا الطابع بوضوح في التصميم الداخلي الذي يتميز بالألوان الهادئة والديكورات الفخمة، حيث تخلق الإضاءات الدافئة وتفاصيل الورود المنتشرة بالمكان أجواءً من الفخامة والدفء، ليصبح خيارًا مثاليًا لتجمعات العائلة المبهجة أو اللقاءات الهادئة مع الأصدقاء، حيث يلتقي الذوق الرفيع بجمال الطراز الأوروبي. أما كافيه "تكية يونس"، فيمزج بين الطابع الشرقي الأصيل واللمسات العصرية الحديثة. الزخارف ذات الطابع المصري القديم تضفي على المكان جاذبية خاصة تأخذ الزائر في ...

باب الفتوح: معلم تاريخي فاطمي يعكس عبقرية العمارة العسكرية ويجسد دورًا دفاعيًا حيويًا للقاهرة

كتبت رندا كامل   باب الفتوح هو أحد المعالم التاريخية البارزة في القاهرة، وهو رمز لعبقرية العمارة الفاطمية وأحد أقدم أبواب المدينة التي تحمل الكثير من القصص والأحداث المهمة. بُني الباب ليكون نقطة دفاعية استراتيجية، كما كان مدخلًا رئيسيًا للعاصمة من الشمال. يعكس تصميمه الفريد ملامح العمارة العسكرية الفاطمية، مما جعله من أبرز معالم القاهرة القديمة. يقع باب الفتوح في بداية شارع المعز لدين الله الفاطمي. تم بناؤه عام ٤٨٠هـ / ١٠٨٧م، في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، على يد وزيره وقائد جيوشه بدر الجمالي. وقد أُنشئ هذا الباب بهدف تسهيل دخول الجيوش والوفود إلى العاصمة من الشمال، وتعزيز الدفاعات العسكرية للمدينة ضد التهديدات الخارجية. يُعد باب الفتوح نموذجًا فريدًا للهندسة المعمارية العسكرية في العصر الفاطمي. يتكون من برجين مستديرين على جانبي المدخل الرئيسي، وبينهما قوس ضخم يعكس الطابع الدفاعي في التصميم. يحتوي البرجان على غرف مراقبة وفتحات لرمي السهام، مما يبرز الدور العسكري الذي كان يمثله. كما توجد قاعة داخلية كبيرة كانت تُستخدم لتجمع الجنود وكبار الزوار قبل دخول المدينة، بالإضافة إلى ...

كنوز المتحف القبطي.. ستة عشر ألف مقتنى بترتيب زمني دقيق

  كتبت: منة الله هاشم يُعد المتحف القبطي بمثابة نافذة فريدة على تاريخ المسيحية في مصر، فهو أكبر متحف للآثار القبطية في العالم، وقد تم افتتاحه في سنة ١٩١٠. يضم المتحف مجموعات متنوعة ونادرة من الفن القبطي، الذي يحكي قصة امتزاج الفن المصري بالروح المسيحية، ويقع في قلب منطقة مصر القديمة، وتحديدًا داخل أسوار حصن بابليون، وهي منطقة تاريخية تحتضن بين جنباتها معالم دينية تمثل مختلف الأديان. بدأ تأسيس المتحف في زمن الفرس، لكن أُجريت عليه العديد من الإضافات في عهد الإمبراطورين الرومانيين أغسطس وتراجان، ثم استكمل الإضافات من جاء بعدهم من أباطرة الرومان. وقد لعب العالم الفرنسي "ماسبيرو" دورًا هامًا في نشأة المتحف، حيث عمل على جمع أعمال الفن القبطي وتخصيص قاعة لها داخل المتحف المصري. وبعد ذلك، طالب مرقس باشا سميكة عام ١٨٩٣م بأن تضم مجموعة الآثار القبطية إلى اهتمامات لجنة حفظ الآثار والفنون، وجاهد طويلاً حتى تمكن من إقامة المبنى الحالي للمتحف الذي افتُتح عام ١٩١٠، وعُيّن هو أول مدير له. أُنشئ المتحف على أرضٍ تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المشرقية، وقد أهداها له البابا كيرلس الخامس، وكا...