التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسجد الإمام الحسين بالقاهرة يضم محرابًا مزينًا بالقاشاني ومنبرًا خشبيًا يعود للقرن الثالث عشر الهجري

 


كتبت فرح بهاء ـ رضوى محمد:

الحسين مسجد قديم داخل القاهرة، مقره بالقرب من منطقة خان الخليلي في حي الحسين. يصنف مسجد الحسين من أهم الأماكن الإسلامية المقدسة في القاهرة، وقد بني في عهد الخلافة الفاطمية عام ١١٥٤م. ويحتوي المسجد على الكثير من الممتلكات الهامة مثل أقدم نسخة من القرآن الكريم.


شُيّد مسجد الإمام الحسين في عهد الدولة الفاطمية عام ٥٤٩ هـ (الموافق ١١٥٤ م) تحت إشراف الوزير الصالح طلائع، ليصبح من أبرز معالم القاهرة الإسلامية. يقع المسجد بالقرب من خان الخليلي، ويضم ثلاثة أبواب رخامية تطل على السوق الشهير، إضافة إلى باب رابع بجوار القبة يُعرف بـ«الباب الأخضر».


سُمي المسجد بهذا الاسم لاعتقاد شائع بأن رأس الإمام الحسين مدفون فيه، إذ تروي المصادر التاريخية أن الخليفة الفاطمي أمر بنقل الرأس الشريف من عسقلان بفلسطين إلى القاهرة أثناء الحروب الصليبية، لحمايته من الأذى، ودُفن في موضع المسجد الحالي.

يتميز المسجد بطرازه المعماري الفريد، إذ بُني على الطراز الغوطي، بينما صممت منارته على طراز المآذن العثمانية. ويضم المسجد خمسة صفوف من الأقواس التي تستند إلى أعمدة رخامية، تمنح المكان جمالًا بصريًا وقوة بنائية. أما المحراب، فقد زُيِّن بقطع القاشاني الملون منذ عام ١٣٠٣ هـ، ويجاوره منبر خشبي، وثلاثة أبواب تؤدي إلى القبة وحجرة خاصة بُنيت عام ١٣١١ هـ (١٨٩٣ م)، تُحفظ فيها بعض المقتنيات النبوية.



ومن أكثر ما يميز المسجد، وجود أكبر نجفة في العالم العربي، مصنوعة من الكريستال المطلي بالذهب الخالص، وتزن نحو خمسة أطنان، بينما صُنعت قوائمها من الفضة النقية، ما يضيف إلى المسجد بعدًا فنيًا وروحانيًا فريدًا.

ويحتوي المسجد على ضريح يُنسب للإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، حفيد النبي محمد، والذي وُلد في المدينة المنورة في السنة الرابعة للهجرة، ونشأ في بيت النبوة. بعد أن تلقّى رسائل من أهل الكوفة يبايعونه فيها خليفةً للمسلمين بدلًا من يزيد بن معاوية، قرر التوجه إليهم، لكنه قُتل في كربلاء على يد جنود عبيد الله بن زياد، وذلك يوم عاشوراء من عام ٦١ هـ، حيث قُتل هو وعدد من أهل بيته وقُطعت رأسه. وتعددت الروايات حول مكان دفن الرأس الشريف، إذ تشير إحداها إلى أنه نُقل إلى القاهرة من عسقلان في عام ١١٥٤ ميلادية، ودُفن في الضريح القائم حاليًا داخل مسجد الحسين.


شُيِّد المسجد ليكون موضعًا لرأس الحسين بن علي بن أبي طالب، ولم يتبق من البناء الأصلي سوى الباب، بينما بُنيت المئذنة القائمة فوقه في عام ٦٣٤ هـ، خلال أواخر العصر الأيوبي، ولم يبق منها الآن سوى القاعدة. وفي عام ١١٧٥ هـ، قام الأمير عبد الرحمن كتخدا بتجديد الجزء العلوي من المئذنة، كما جدد القبة المقامة فوق الضريح، وزُينت من الداخل بنقوش ملونة تتخللها لمسات من التذهيب. وعند تولي الخديوي إسماعيل حكم مصر، أمر بتجديد المسجد وتوسيعه، واستمرت أعمال التوسعة لعشر سنوات حتى انتهت عام ١٢٩٠ هـ، باستثناء المئذنة التي اكتمل بناؤها في عام ١٢٩٥ هـ.



ومن أشهر ما تم اكتشافه داخل المسجد، تابوت خشبي وُجد في حجرة صغيرة أسفل المقصورة النحاسية وسط القبة، يمكن الوصول إليها عبر فتحتين في أرضيتها. وفي عام ١٩٣٩ م، أمر الملك فاروق الأول بإصلاح أرضية القبة وتكسيتها بالرخام، فانتهزت إدارة حفظ الآثار العربية الفرصة لاستخراج التابوت ومعاينته. وبعد ترميمه، نُقل إلى دار الآثار العربية لعرضه. ويتكون التابوت من ثلاثة جوانب، وصُنع من الخشب، حيث قُسمت واجهته وجانبيه إلى مستطيلات زخرفية تتميز بدقة التصميم وجمال الزخرفة.


يُعتبر مسجد الإمام الحسين معلمًا متفردًا في سجل العمارة الإسلامية، يسرد تفاصيل قرون من الإبداع والتجديد. مزيج من الفن والتراث والمكانة الدينية جعله وجهةً لا تنضب، يقصدها الزوّار من كل حدب وصوب، توقًا للسكينة وتأملًا في عظمة ما خلفه الأجداد.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

محافظة المنيا تتربع على عرش الكافيهات الراقية بلمسة أوروبية وإطلالة نيلية ساحرة

كتبت: ملك سعيد، هبة عادل تُعد محافظة المنيا واحدة من المحافظات المصرية التي شهدت مؤخرًا تطورًا ملحوظًا في قطاع الضيافة والترفيه، وخاصة في مجال الكافيهات، حيث تنوعت وتعددت الأماكن التي تقدم تجارب مميزة للزوار. وتمتاز كافيهات المنيا بقدرتها على الجمع بين الأجواء الراقية، والتصميمات الجذابة، والجودة العالية في تقديم المأكولات والمشروبات، مما حولها إلى وجهات محلية وسياحية تستقطب الزوار من داخل المحافظة وخارجها. من بين الكافيهات التي تركت بصمة واضحة، يبرز كافيه "كازابيلا" بطابعه الإيطالي الراقي، الذي يجمع بين الأناقة والهدوء. ينعكس هذا الطابع بوضوح في التصميم الداخلي الذي يتميز بالألوان الهادئة والديكورات الفخمة، حيث تخلق الإضاءات الدافئة وتفاصيل الورود المنتشرة بالمكان أجواءً من الفخامة والدفء، ليصبح خيارًا مثاليًا لتجمعات العائلة المبهجة أو اللقاءات الهادئة مع الأصدقاء، حيث يلتقي الذوق الرفيع بجمال الطراز الأوروبي. أما كافيه "تكية يونس"، فيمزج بين الطابع الشرقي الأصيل واللمسات العصرية الحديثة. الزخارف ذات الطابع المصري القديم تضفي على المكان جاذبية خاصة تأخذ الزائر في ...

باب الفتوح: معلم تاريخي فاطمي يعكس عبقرية العمارة العسكرية ويجسد دورًا دفاعيًا حيويًا للقاهرة

كتبت رندا كامل   باب الفتوح هو أحد المعالم التاريخية البارزة في القاهرة، وهو رمز لعبقرية العمارة الفاطمية وأحد أقدم أبواب المدينة التي تحمل الكثير من القصص والأحداث المهمة. بُني الباب ليكون نقطة دفاعية استراتيجية، كما كان مدخلًا رئيسيًا للعاصمة من الشمال. يعكس تصميمه الفريد ملامح العمارة العسكرية الفاطمية، مما جعله من أبرز معالم القاهرة القديمة. يقع باب الفتوح في بداية شارع المعز لدين الله الفاطمي. تم بناؤه عام ٤٨٠هـ / ١٠٨٧م، في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، على يد وزيره وقائد جيوشه بدر الجمالي. وقد أُنشئ هذا الباب بهدف تسهيل دخول الجيوش والوفود إلى العاصمة من الشمال، وتعزيز الدفاعات العسكرية للمدينة ضد التهديدات الخارجية. يُعد باب الفتوح نموذجًا فريدًا للهندسة المعمارية العسكرية في العصر الفاطمي. يتكون من برجين مستديرين على جانبي المدخل الرئيسي، وبينهما قوس ضخم يعكس الطابع الدفاعي في التصميم. يحتوي البرجان على غرف مراقبة وفتحات لرمي السهام، مما يبرز الدور العسكري الذي كان يمثله. كما توجد قاعة داخلية كبيرة كانت تُستخدم لتجمع الجنود وكبار الزوار قبل دخول المدينة، بالإضافة إلى ...

كنوز المتحف القبطي.. ستة عشر ألف مقتنى بترتيب زمني دقيق

  كتبت: منة الله هاشم يُعد المتحف القبطي بمثابة نافذة فريدة على تاريخ المسيحية في مصر، فهو أكبر متحف للآثار القبطية في العالم، وقد تم افتتاحه في سنة ١٩١٠. يضم المتحف مجموعات متنوعة ونادرة من الفن القبطي، الذي يحكي قصة امتزاج الفن المصري بالروح المسيحية، ويقع في قلب منطقة مصر القديمة، وتحديدًا داخل أسوار حصن بابليون، وهي منطقة تاريخية تحتضن بين جنباتها معالم دينية تمثل مختلف الأديان. بدأ تأسيس المتحف في زمن الفرس، لكن أُجريت عليه العديد من الإضافات في عهد الإمبراطورين الرومانيين أغسطس وتراجان، ثم استكمل الإضافات من جاء بعدهم من أباطرة الرومان. وقد لعب العالم الفرنسي "ماسبيرو" دورًا هامًا في نشأة المتحف، حيث عمل على جمع أعمال الفن القبطي وتخصيص قاعة لها داخل المتحف المصري. وبعد ذلك، طالب مرقس باشا سميكة عام ١٨٩٣م بأن تضم مجموعة الآثار القبطية إلى اهتمامات لجنة حفظ الآثار والفنون، وجاهد طويلاً حتى تمكن من إقامة المبنى الحالي للمتحف الذي افتُتح عام ١٩١٠، وعُيّن هو أول مدير له. أُنشئ المتحف على أرضٍ تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المشرقية، وقد أهداها له البابا كيرلس الخامس، وكا...