التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ضريح السيدة سكينة: مقام مهيب يجمع بين جلال آل البيت وجمال العمارة المملوكية




كتبت رضوى محمد:

يقع مسجد السيدة سكينة في حي الخليفة في قلب القاهرة، ويُعد واحدًا من أبرز معالم آل البيت، حيث يحمل بين جدرانه تاريخًا طويلًا ومكانة دينية عظيمة. تنسب السيدة سكينة إلى الإمام الحسين بن علي، حفيدة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وُلدت في شهر رجب، وعُرفت بتقواها وعلمها الغزير. كان اسمها الحقيقي "آمنة"، لكن لُقبت بـ"سكينة" لتميزها بالهدوء والوقارر. جاءت إلى مصر برفقة عمتها السيدة زينب عام ٦١ هـ، وكان عمرها آنذاك ١٣ عامًا. وقد اشتهرت بتقواها وعلمها الواسع، مما جعلها محط احترام وتقدير العديد من أبناء مصر الذين كانوا يتوافدون عليها للتعلم من علمها.


ترجع بداية إنشاء المسجد إلى عهد الأمير عبدالرحمن كتخدا في عام ١١٧٣ هـ (١٧٦٠ م)، حيث أُقيم المسجد على ثلاثة صفوف من الأعمدة الرخامية، وتتميز مئذنته المدهشة، الواقعة في الجهة الشمالية الغربية، بتصميم مملوكي جذاب، مكونة من ثلاث دورات. أما الضريح، فيحتوي على مقصورة نحاسية مزخرفة، مما يضيف إليه طابعًا معماريًا مميزًا.


كان المأمون البطائحي، وزير الآمر بالله الفاطمي، هو من أنشأ ضريح السيدة سكينة وقام بتوسيعه، حيث أضاف قبة على الضريح لتزيد من جمال المكان، وكذلك لتوفير مزيد من المساحة للزوار. وبالرغم من مرور الزمن، فإن هذا التوسع أضفى على الضريح رونقًا معماريًا لافتًا.


في عام ١٩٠٥ م (١٣٢٢ هـ)، أمر الخديوي عباس حلمي الثاني بتجديد المسجد والضريح، فتم إضافة ثلاثة أبواب جديدة وميضأة. ويتسم المسجد بوجود ستة أعمدة رخامية ومنبر خشبي، بينما يحتوي الضريح على تابوت خشبي محفوظ داخل مقصورة نحاسية كبيرة، مما يمنح المكان طابعًا تاريخيًا مميزًا.


يُعتبر مسجد السيدة سكينة اليوم من المعالم الدينية البارزة التي يقصدها الزوار من مختلف الأماكن للاطلاع على تاريخ آل البيت في مصر، مما يجعله صرحًا معماريًا ودينيًا ذا أهمية بالغة في تاريخ القاهرة.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللي اختشوا ماتوا" مثل شعبي ارتبط بحادثة الحريق في حمام السلطان اينال

كتبت فرح بهاء: حمام السلطان إينال، من أقدم الحمامات الشعبية في القاهرة، حيث يبلغ عمره حوالي ٧٠٠ عام، ليبقى دليلًا على جمال العمارة في ذلك الوقت، وعادات اجتماعية قديمة اعتادها الناس منذ زمن بعيد. يقع حمام السلطان الأشرف إينال بجوار المدرسة الكاملية في منطقة الجمالية بشارع المعز، ويُعد واحدًا من أهم المعالم الأثرية في القاهرة. بناه السلطان إينال عام ٨٦١هـ / ١٤٥٦م، واستلهم تصميمه من الطراز العثماني الذي كان يُعتمد في بناء الحمامات التقليدية، والتي كانت ترمز إلى الرفاهية والاسترخاء. بدأ السلطان الأشرف إينال حياته في مناصب صغيرة حتى وصل إلى قيادة الجيش في عهد السلطان جقمق، ثم سنحت له الفرصة لتولي حكم مصر بعد خلع السلطان المنصور عثمان بن جقمق. تميّز إينال ببعض الصفات الجيدة، مثل حرصه على تطبيق الشريعة فيما يخص أحكام القتل، وعدم ميله للتملق، لكنه كان أميًا لا يجيد القراءة، حتى إنه لم يكن قادرًا على قراءة الفاتحة، وكانت صلاته سريعة. شهد عصره اضطرابات عديدة، حيث واجه سبع ثورات داخلية بسبب سياسته التي اعتمدت على تعيين المماليك الكبار في السن، الذين عرفوا بتمردهم وفسادهم، على عكس الحكام ال...

المعز: شارع أثري في القاهرة القديمة يضم أكثر من ٢١٥ أثر إسلامي

  كتبت منة الله هاشم: يحمل شارع المعز لدين الله الفاطمي بين جنباته أكثر من ألف عام من الحضارة الأسلامية ليشكل وجدان شعبه، باعتباره أقدم وأطول شارع في العالم تزينه جواهر المعمار الإسلامي، كما يعد أكبر متحف إسلامي مفتوح في العالم ويوجد به حوالى ٢١٥ أثر إسلامي هام ويمتد شارع المعز من باب زويله بالدرب الاحمر مرورًا بالغورية وشارع الصاغة ووصولًا الى باب الفتوح بالجمالية.  يطلق أيضًا على شارع المعز اسم الشارع الأعظم أو بين القصرين أو قصبة القاهرة أو قصبة القاهرة الكبرى، فهو قلب مدينة القاهرة القديمة، يُعد الشارع حاليًا متحفًا مفتوحًا يضم مجموعة من آثار مدينة القاهرة الإسلامية في الفترة من القرن العاشر حتي القرن التاسع عشر بعد الميلاد، فضلاً عن الثراء المعماري وتنوعه بين العمارة الدينية والسكنية والتجارية والخيرية والعسكرية، يقع الشارع داخل نطاق القاهرة التاريخية التي تم إدراجها على قائمة مواقع التراث العالمي عام ١٩٧٩م. يضم الشارع نحو ٣٥ أثرًا إسلاميًا من مختلف العصور منها الفاطمي والمملوكي والعثماني، كما تضم الشوارع المتفرعة منه نحو ٤٣ أثرًا. تتنوع هذه الآثار بين القصور والمنازل وال...

كنوز المتحف القبطي.. ستة عشر ألف مقتنى بترتيب زمني دقيق

  كتبت: منة الله هاشم يُعد المتحف القبطي بمثابة نافذة فريدة على تاريخ المسيحية في مصر، فهو أكبر متحف للآثار القبطية في العالم، وقد تم افتتاحه في سنة ١٩١٠. يضم المتحف مجموعات متنوعة ونادرة من الفن القبطي، الذي يحكي قصة امتزاج الفن المصري بالروح المسيحية، ويقع في قلب منطقة مصر القديمة، وتحديدًا داخل أسوار حصن بابليون، وهي منطقة تاريخية تحتضن بين جنباتها معالم دينية تمثل مختلف الأديان. بدأ تأسيس المتحف في زمن الفرس، لكن أُجريت عليه العديد من الإضافات في عهد الإمبراطورين الرومانيين أغسطس وتراجان، ثم استكمل الإضافات من جاء بعدهم من أباطرة الرومان. وقد لعب العالم الفرنسي "ماسبيرو" دورًا هامًا في نشأة المتحف، حيث عمل على جمع أعمال الفن القبطي وتخصيص قاعة لها داخل المتحف المصري. وبعد ذلك، طالب مرقس باشا سميكة عام ١٨٩٣م بأن تضم مجموعة الآثار القبطية إلى اهتمامات لجنة حفظ الآثار والفنون، وجاهد طويلاً حتى تمكن من إقامة المبنى الحالي للمتحف الذي افتُتح عام ١٩١٠، وعُيّن هو أول مدير له. أُنشئ المتحف على أرضٍ تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المشرقية، وقد أهداها له البابا كيرلس الخامس، وكا...