التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ريف الصعيد... سياحة بيئية أصيلة تحافظ على الطبيعة وتجسد الصدق والبساطة

 


تقرير: رندا كامل علي

في الوقت الذي تتنافس فيه الوجهات السياحية العالمية على جذب الزوار عبر التقنيات الحديثة والخدمات الفاخرة، يبرز ريف الصعيد كخيار مختلف وأصيل؛ لا يقدم وعودًا بالرفاهية المصطنعة، بل تجربة صافية مرتبطة بالأرض والحياة البسيطة.

لا تزال المجتمعات الريفية في جنوب مصر تحافظ على أنماط حياة تقليدية تقوم على احترام الموارد الطبيعية وتقدير تفاصيل اليوم العادية. الزراعة تُمارس بأدوات بسيطة لكنها فعالة، والمياه تُستخدم بحكمة، وكأن هذه المجتمعات تمارس الاستدامة بالفطرة دون الحاجة إلى الشعارات العصرية.

ورغم أن مفهوم السياحة البيئية عالميًا ليس حديثًا، إلا أنه لا يزال ناشئًا نسبيًا في مصر، لا سيما في الصعيد، حيث تتوافر المقومات الطبيعية والبشرية ولكنها تفتقر إلى الترويج والدعم المؤسسي. في القرى الصعيدية، لا يُعامل الزائر كسائح تقليدي، بل يُستقبل كضيف عزيز؛ يشارك في الحياة اليومية، يتناول الطعام البيتي، ويستمع إلى الحكايات الشعبية التي تنبض بالصدق والبساطة.

هذا النمط من السياحة يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان؛ فالزائر لا يستهلك فقط، بل يتفاعل ويشارك، وأهل القرى لا يغيرون نمط حياتهم لتلبية توقعاته، بل يقدمون له تجربتهم كما هي، بكل عفويتها وإنسانيتها.

هنا، لا حاجة للزخرفة أو الفلاتر الرقمية؛ التفاصيل البسيطة كفيلة بخلق ذكريات لا تُنسى، من الاستيقاظ على زقزقة العصافير، إلى السير وسط الحقول، وتناول وجبات أُعدت بأيدٍ محلية مخلصة.



ولا تقتصر التجربة البيئية على المشهد الطبيعي فقط، بل تمتد إلى السلوكيات والعلاقات الإنسانية اليومية، حيث يسود الاحترام، والتقدير، والبساطة. لا إسراف في الموارد، ولا تلوث بصري أو سمعي، بل ثقافة متجذرة في الوعي البيئي الفطري.

في ظل التحديات البيئية العالمية المتصاعدة، تصبح السياحة البيئية ضرورة وليست رفاهية. تعزيز هذا النمط في ريف الصعيد يمكن أن يحقق عدة أهداف؛ من دعم دخل المجتمعات المحلية دون المساس بثقافتها، إلى الحفاظ على الموارد الطبيعية، وتشجيع الاستدامة، وإحياء العادات والتقاليد الأصيلة المهددة بالاندثار.

غير أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تعاونًا جادًا بين المجتمعات المحلية، والجهات الحكومية، والمبادرات الشبابية، إلى جانب المؤسسات البيئية المعنية.

ريف الصعيد لا يعد الزائر بالكثير من المبهرات البصرية، لكنه يمنحه ما هو أثمن: الصدق، والهدوء، وقيمة التجربة الأصيلة.

وفي عالم يسير مسرعًا خلف مظاهر الحياة الصاخبة، يظل ريف الصعيد ملاذًا نقيًا غنيًا بالمعنى وقادرًا على ملامسة الروح.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللي اختشوا ماتوا" مثل شعبي ارتبط بحادثة الحريق في حمام السلطان اينال

كتبت فرح بهاء: حمام السلطان إينال، من أقدم الحمامات الشعبية في القاهرة، حيث يبلغ عمره حوالي ٧٠٠ عام، ليبقى دليلًا على جمال العمارة في ذلك الوقت، وعادات اجتماعية قديمة اعتادها الناس منذ زمن بعيد. يقع حمام السلطان الأشرف إينال بجوار المدرسة الكاملية في منطقة الجمالية بشارع المعز، ويُعد واحدًا من أهم المعالم الأثرية في القاهرة. بناه السلطان إينال عام ٨٦١هـ / ١٤٥٦م، واستلهم تصميمه من الطراز العثماني الذي كان يُعتمد في بناء الحمامات التقليدية، والتي كانت ترمز إلى الرفاهية والاسترخاء. بدأ السلطان الأشرف إينال حياته في مناصب صغيرة حتى وصل إلى قيادة الجيش في عهد السلطان جقمق، ثم سنحت له الفرصة لتولي حكم مصر بعد خلع السلطان المنصور عثمان بن جقمق. تميّز إينال ببعض الصفات الجيدة، مثل حرصه على تطبيق الشريعة فيما يخص أحكام القتل، وعدم ميله للتملق، لكنه كان أميًا لا يجيد القراءة، حتى إنه لم يكن قادرًا على قراءة الفاتحة، وكانت صلاته سريعة. شهد عصره اضطرابات عديدة، حيث واجه سبع ثورات داخلية بسبب سياسته التي اعتمدت على تعيين المماليك الكبار في السن، الذين عرفوا بتمردهم وفسادهم، على عكس الحكام ال...

المعز: شارع أثري في القاهرة القديمة يضم أكثر من ٢١٥ أثر إسلامي

  كتبت منة الله هاشم: يحمل شارع المعز لدين الله الفاطمي بين جنباته أكثر من ألف عام من الحضارة الأسلامية ليشكل وجدان شعبه، باعتباره أقدم وأطول شارع في العالم تزينه جواهر المعمار الإسلامي، كما يعد أكبر متحف إسلامي مفتوح في العالم ويوجد به حوالى ٢١٥ أثر إسلامي هام ويمتد شارع المعز من باب زويله بالدرب الاحمر مرورًا بالغورية وشارع الصاغة ووصولًا الى باب الفتوح بالجمالية.  يطلق أيضًا على شارع المعز اسم الشارع الأعظم أو بين القصرين أو قصبة القاهرة أو قصبة القاهرة الكبرى، فهو قلب مدينة القاهرة القديمة، يُعد الشارع حاليًا متحفًا مفتوحًا يضم مجموعة من آثار مدينة القاهرة الإسلامية في الفترة من القرن العاشر حتي القرن التاسع عشر بعد الميلاد، فضلاً عن الثراء المعماري وتنوعه بين العمارة الدينية والسكنية والتجارية والخيرية والعسكرية، يقع الشارع داخل نطاق القاهرة التاريخية التي تم إدراجها على قائمة مواقع التراث العالمي عام ١٩٧٩م. يضم الشارع نحو ٣٥ أثرًا إسلاميًا من مختلف العصور منها الفاطمي والمملوكي والعثماني، كما تضم الشوارع المتفرعة منه نحو ٤٣ أثرًا. تتنوع هذه الآثار بين القصور والمنازل وال...

كنوز المتحف القبطي.. ستة عشر ألف مقتنى بترتيب زمني دقيق

  كتبت: منة الله هاشم يُعد المتحف القبطي بمثابة نافذة فريدة على تاريخ المسيحية في مصر، فهو أكبر متحف للآثار القبطية في العالم، وقد تم افتتاحه في سنة ١٩١٠. يضم المتحف مجموعات متنوعة ونادرة من الفن القبطي، الذي يحكي قصة امتزاج الفن المصري بالروح المسيحية، ويقع في قلب منطقة مصر القديمة، وتحديدًا داخل أسوار حصن بابليون، وهي منطقة تاريخية تحتضن بين جنباتها معالم دينية تمثل مختلف الأديان. بدأ تأسيس المتحف في زمن الفرس، لكن أُجريت عليه العديد من الإضافات في عهد الإمبراطورين الرومانيين أغسطس وتراجان، ثم استكمل الإضافات من جاء بعدهم من أباطرة الرومان. وقد لعب العالم الفرنسي "ماسبيرو" دورًا هامًا في نشأة المتحف، حيث عمل على جمع أعمال الفن القبطي وتخصيص قاعة لها داخل المتحف المصري. وبعد ذلك، طالب مرقس باشا سميكة عام ١٨٩٣م بأن تضم مجموعة الآثار القبطية إلى اهتمامات لجنة حفظ الآثار والفنون، وجاهد طويلاً حتى تمكن من إقامة المبنى الحالي للمتحف الذي افتُتح عام ١٩١٠، وعُيّن هو أول مدير له. أُنشئ المتحف على أرضٍ تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المشرقية، وقد أهداها له البابا كيرلس الخامس، وكا...