كتبت منه الله هاشم ـ رضوى محمد ـ يوسف أحمد:
يُعد متحف البرديات أحد أبرز المعالم الثقافية التي تسلط الضوء على عظمة الحضارة المصرية القديمة. يقع المتحف في محافظة الجيزة، وهي من أغنى المحافظات بالآثار المصرية. افتُتح عام ٢٠٠٦، ويضم بين جدرانه مجموعة نادرة من البرديات التي تُظهر براعة المصريين القدماء في فنون الكتابة والرسم. يمنح المتحف زائريه فرصة فريدة لاستكشاف تفاصيل دقيقة من الحياة اليومية والدينية والسياسية في مصر القديمة.
يضم المتحف قاعة فسيحة تحتوي على مجموعة متنوعة من البرديات التي تعود إلى عصور مختلفة، مما يمنح الزائرين تجربة بصرية وتاريخية فريدة. ويعمل بالمتحف مجموعة من المرشدين المتمرسين الذين يتحدثون عدة لغات، ما يسهل عملية التواصل مع الزوار من شتى أنحاء العالم. يتميز هؤلاء المرشدون بخبرة واسعة ومعرفة دقيقة بتاريخ البرديات، حيث يقدمون شرحًا وافيًا لمراحل صناعتها؛ بدءًا من زراعة نبات البردي واستخلاص الحبر، وحتى تقنيات الكتابة والرسم على هذه الأوراق العريقة.
يشبه ورق البردي الورق السميك، وكان يُستخدم قديمًا كوسيلة رئيسية للكتابة. تعود أصوله إلى مصر القديمة قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، حيث كان يُصنع يدويًا من لب نبات البردي الذي ينمو على ضفاف النيل. ويُطلق اسم «بردية» على المستندات التي كانت تُكتب على هذه المادة، والتي غالبًا ما كانت تُلف على هيئة لفائف، لتكون واحدة من أقدم أشكال الكتب في التاريخ.
ظهر استخدام البردي منذ عصر الأسرة الأولى، بفضل وفرة النبات في دلتا النيل. ولم يقتصر استخدامه على الكتابة فقط، بل استُخدم في صناعة القوارب، والحبال، والحصير، والصنادل، والسلال. كذلك استخدمه المصريون القدماء في توثيق كل ما يخص الدولة والحروب.
الهيروغليفية هي اللغة الرسمية للمصريين القدماء، لكنها كانت صعبة، ولهذا اخترعوا لغات أبسط مثل الهيراطيقية والديموطيقية، التي تتكوّن من رموز وخطوط تساعد على الكتابة السريعة.
تُصنع أوراق البردي من سيقان النبات بعد إزالة القشرة الخارجية وتقطيع اللب الداخلي إلى شرائح. تُرتب هذه الشرائح بشكل متقاطع، ثم تُغطى بقطعة قماش ماص وتُطرق بمطرقة خشبية. بعد ذلك توضع في مكبس لعدة ساعات حتى تلتصق الألياف، وتتحول إلى ورقة متماسكة تصقل لتصبح ناعمة وصالحة للكتابة.
من أقدم البرديات الموجودة في المتحف بردية تُعرف باسم «شجرة الحياة»، وهي تصور مشهدًا من مقبرة خنومحوتب أحد حكام الأسرة الثانية عشرة (١٨٩٧ – ١٨٧٨ ق.م) في عهد الملك أمنمحات الثاني، ترمز الشجرة إلى دورة حياة الإنسان، ممثلة بخمسة طيور، أربعة منها تشير إلى مراحل الطفولة والبلوغ والشباب والشيخوخة، وتواجه شروق الشمس كرمز للحياة، بينما يرمز الطائر الخامس إلى الموت والدخول إلى العالم الآخر.
بردية أخرى مميزة في المتحف هي «التقويم المصري القديم»، الذي يتنبأ بالأيام السعيدة والسيئة ،خلال السنة التاسعة من حكم الملك رمسيس الثاني. هذا التقويم مكتوب بالخط الهيراطيقي ويُعد من أكثر التقاويم اكتمالًا. وقد اشتراه المتحف من أحد تجار الآثار عندما كانت تجارة الآثار لا تزال مسموحة. ذُكر في التقويم أن نجم «رأس الغول» صُور على هيئة الإله «حورس»، إشارة إلى أهمية هذا النجم في الفلك والمعتقدات المصرية القديمة.
المتحف يتيح تجربة ثقافية متكاملة تمنح الزائرين التعمق في فهم طبيعة المجتمع المصري القديم، والتواصل مع ماضيهم العريق بطريقة حية ومؤثرة.


تعليقات
إرسال تعليق