كتبت رضوى محمد:
على تلة صخرية تُعرف بجبل يشكر، يوجد مسجد أحمد بن طولون كأحد أقدم وأكبر المساجد في مصر والعالم الإسلامي، بمساحة تبلغ حوالي "ستة أفدنة ونصف ".صُمم بطراز مستوحى من العمارة العباسية، وتحديدًا مسجد سامراء في العراق، ويتميّز بمنارته الملوية وصحنه المكشوف المحاط بالأروقة.
يقع المسجد في ميدان أحمد بن طولون بحي السيدة زينب بالقاهرة، ويجاور سوره الغربي مسجد صرغتمش الناصري، بينما يقع متحف جاير أندرسون إلى جواره من الناحية الشرقية.
أحمد بن طولون هو مؤسس الدولة الطولونية في مصر والشام، وُلد في بغداد عام ٨٣٥م لأب تركي الأصل كان مملوكًا أُهدي إلى الخليفة العباسي المأمون. تولى أحمد بن طولون مناصب عسكرية مهمة، ثم أُرسل إلى مصر عام ٨٦٨م نائبًا عن واليها، وتمكن من الاستقلال بحكم البلاد وتأسيس دولة امتدت من ليبيا حتى حدود الدولة البيزنطية.
أنشأ مدينة «القطائع» عام ٨٧٠م لتكون عاصمة لحكمه، وبنى فيها مسجدًا جامعًا كرمز لاستقلاله، بدأ تشييده عام ٨٧٧م واكتمل بعد عامين بتكلفة بلغت ١٢٠ ألف دينار، قيل إنها من كنز عثر عليه في الجبل.
تعددت الروايات حول هوية المهندس الذي صمم المسجد؛ البعض نسبه إلى المهندس المسيحي المصري سعيد بن كاتب الفرغاني، الذي أبهر أحمد بن طولون بتصميم لا يعتمد على الأعمدة الرخامية. في المقابل، تشير روايات أخرى إلى أن التصميم جاء من مهندس عراقي، مستندة إلى التشابه بين مسجد ابن طولون ومسجد سامراء.
شُيد المسجد من الطوب الأحمر، ويبلغ طوله ١٦٢.٢٥ مترًا وعرضه ١٦١.٥ مترًا، بينما تصل مساحة المبنى الرئيسي إلى ١٣٧.٨ × ١١٨.١ مترًا. يتوسطه صحن مكشوف مربع الشكل تحيط به من ثلاث جهات زيادات غير مسقوفة ذات أسوار مرتفعة وأبواب مزخرفة، تسمح بالتنقل بين المسجد والمناطق المحيطة. يضم المسجد ٢١ بابًا، يقابلها نفس العدد في الزيادات، وبعضها يحتوي على معابر خشبية منقوشة.
يُعدّ من المساجد المعلقة، حيث تُصعد درجات للوصول إلى أبوابه الداخلية، كما تستند أساساته في الجهة القبلية إلى صخور الجبل، بينما امتدت أساساته البحرية لأعماق تصل إلى خمسة أمتار.
منذ تأسيسه، أصبح المسجد مركزًا للعلم والدين، صلى فيه القاضي بكار بن قتيبة، وأُلزم الناس بأداء الجمعة فيه ثم حضور مجالس الحديث والفقه. في القرن العاشر الميلادي، أُطلق عليه اسم «الجامع الفوقاني» تمييزًا له عن جامع عمرو بن العاص «الجامع السفلاني».
عُرف عن المسجد احتواؤه على نقشين تأسيسيين؛ أحدهما على واجهة المدخل يشير إلى تجديد الباب بعد حريق، والآخر في البائكة الثانية، يبدأ بآية الكرسي، ويؤرخ لبنائه بأمر أحمد بن طولون.
شهد المسجد عدة مراحل من الترميم على مر العصور، في العصر الفاطمي، زُوّد بـ ٨١٤ مصحفًا، وأُعيد بناء قبته بعد حريق. جدد الوزير بدر الدين الجمالي أجزاءً منه في القرن ١١ الميلادي. وعام ١٢٩٦م، قام السلطان المملوكي لاجين بترميم شامل، وشيد المنبر الحالي والقبة فوق الفسقية. شهد المسجد تجديدات أخرى في عهد الناصر محمد بن قلاوون، الظاهر برقوق، والعثماني محمد بك أبو الذهب. في العصر الحديث، استخدم كمصنع للأحرمة، ثم كملجأ للعجزة عام ١٨٤٧م. أعيدت إليه الشعائر الدينية بأمر من الملك فؤاد الأول عام ١٩١٨م، واستُكملت الترميمات في عهد الملك فاروق.
أحدث أعمال الترميم جرت عام ٢٠٠٥م، ضمن مشروع القاهرة التاريخية، وشملت زخارف المسجد، بتكلفة تجاوزت ١٢ مليون جنيه. وفي يونيو ٢٠١٤، تعرّض المسجد لسرقة مفصلات باب المنبر المملوكي، لكن سرعان ما استُعيدت المسروقات بعد تحقيقات أمنية سريعة.
يظل مسجد أحمد بن طولون واحدًا من أعظم شواهد العمارة الإسلامية في مصر، ليس فقط لضخامته أو قدمه، بل لأنه ما زال يحتفظ بملامحه الأصلية، ويعكس تداخل الفن والدين والسياسة في عهد المؤسس أحمد بن طولون، الرجل الذي بنى مسجدًا فصار أثرًا خالدًا عبر الزمن.



تعليقات
إرسال تعليق