كتبت: فرح بهاء
يصنف جامع الأقمر كأحد أبرز المعالم الفاطمية في شارع المعز، يتميز بتصميم معماري مميز وزخارف دقيقة تعكس الطابع الفني للفترة التي شُيّد فيها. رغم مساحته الصغيرة، إلا أنه يحمل بين جدرانه تاريخًا طويلًا من التحولات والترميمات، جعلته من المساجد المميزة التي تجمع بين الجمال الفني والقيمة التاريخية.
بني جامع الأقمر في عام ١١٢٥م (٥١٩ هـ) بأمر من الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، ونفذه وزيره المأمون بن البطائحي، ليكون أول جامع يُبنى في القاهرة بواجهة حجرية منحرفة عن اتجاه القبلة بما يتماشى مع تخطيط الشارع. وهذا جعله مختلفًا عن باقي المساجد الفاطمية.
على الرغم من صغر حجمه مقارنة بباقي مساجد المعز، يمتلك جامع الأقمر أهمية استثنائية بفضل تصميمه المميز وزخارفه التي تزين واجهته، حيث تظهر الشمس في عدة أشكال، تتوسطها أسماء أهل البيت، وعلى رأسهم الإمام علي بن أبي طالب، محفورة وسط دوائر مزخرفة بخط كوفي بديع، تعكس فلسفة الفن الإسلامي في التعبير عن الروحانيات بالنقوش.
ويعتقد أن موقع الجامع كان في الأصل ديرًا قديمًا يعرف بـ"بئر العظام"، نسب اسمه إلى اللون الأبيض لحجارته التي تشبه القمر، ومن هنا جاء لقب "الجامع الأقمر"، وكان من أوائل المساجد المعلقة في مصر.
يتميز المسجد من الداخل بتخطيط مستطيل، وصحن مكشوف صغير محاط بأربعة أروقة، أكبرها رواق القبلة، الذي يضم محرابًا مزينًا بالرخام الملون، وتعلوه لوحة تذكارية توثق عمليات الترميم التي جرت في عهد المماليك.
على الرغم من إهمال المسجد في عهد الدولة الأيوبية، إلا أنه أُعيد إحياؤه في عصر السلطان برقوق على يد الأمير يلبغا السالمي عام ١٣٩٧م، والذي جدد المئذنة والمنبر وحوض الدواب، وأضاف بركة مياه في الصحن. وعند بابه الشمالي توجد وحدات سكنية قديمة، وُثّقت تفاصيلها على ألواح رخامية، في دلالة على تنظيم الحياة العمرانية والاجتماعية في تلك الفترة.
وقد شهد الجامع عدة مراحل ترميم، أبرزها في القرن العشرين، عندما صممت واجهة المتحف القبطي على نمط واجهته كرمز للوحدة الوطنية. وفي أكتوبر ٢٠٢٢، خضع لترميم شامل بتمويل من طائفة البهرة، بتكلفة بلغت ١٤ مليون جنيه، في إطار خطة الدولة للحفاظ على التراث المسجل ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي.
من دير قديم إلى مسجد شامخ، هذه هي رحلة أحد المعالم التاريخية التي صمدت أمام عوامل الزمن، واحتفظت برونقه رغم الإهمال. ومع انطلاق أعمال الترميم في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، استعاد المسجد بريقه ليعود إلى الواجهة من جديد.

تعليقات
إرسال تعليق