التخطي إلى المحتوى الرئيسي

روحانيات وأجواء إيمانية مميزة تجذب المصلين إلى مسجد صلاح الدين

 


كتبت: منة الله أحمد، ملك سعيد

في منطقة الأخصاص شمال مدينة المنيا، يتربع مسجد صلاح الدين كأحد أكبر المساجد في المحافظة وأكثرها شهرة، حيث يمثل نقطة محورية في الحياة الدينية لسكان المنطقة. ويقصده المصلون من مختلف أنحاء المدينة، لما يتمتع به من تصميم مميز، وخدمات دينية متنوعة، وأجواء روحانية يشعر بها الزائر منذ اللحظة الأولى.

تأسس المسجد منذ عدة سنوات، بجهود أبناء المنطقة ودعم من بعض الجهات الرسمية، بهدف إنشاء مسجد كبير يستوعب الأعداد المتزايدة من المصلين، ويكون مركزًا للأنشطة الدينية والتعليمية. وقد جاء تصميمه متناغمًا مع روح العمارة الإسلامية الأصيلة، مع لمسات حديثة تلبي احتياجات المجتمع، ليقدم بذلك مساحة مُجهزة بكامل تجهيزاتها لخدمة أهالي المنطقة واحتضان مختلف الفعاليات الدينية.

ويمتاز المسجد بواجهة خارجية مزينة بزخارف إسلامية بسيطة يغلب عليها اللون الأبيض الفاتح، ما يمنحه مظهرًا هادئًا وجذابًا. وتتوسطه قبة كبيرة تحيط بها مئذنتان شاهقتان يمكن رؤيتهما من مسافات بعيدة. ويؤدي المدخل الرئيسي الواسع إلى ساحة خارجية تُستخدم أحيانًا في صلوات الأعياد والتجمعات الكبرى، مع مساحات جانبية تسهّل حركة المصلين وتنظم تدفقهم.

أما من الداخل، فيتميز المسجد بسعته الكبيرة، حيث تضم القاعة الرئيسية للصلاة سجادًا نظيفًا مرتبًا، وأعمدة بيضاء متناسقة تدعم سقفًا مرتفعًا يسمح بمرور الضوء الطبيعي والصوت بوضوح. كما تضيء القاعة مجموعة من النوافذ الجانبية الكبيرة التي تسمح بتدفق أشعة الشمس نهارًا. ويضم المسجد مصلى مخصصًا للسيدات في الطابق العلوي، يطل على القاعة الرئيسية ومجهزًا بكافة احتياجات الراحة والعبادة.



وتنعكس الروحانية في كل ركن من أركان المسجد، وتزداد وضوحًا مع حضور الإمام محمد صلاح الدين، الذي يتميز بصوت خاشع وتلاوة مؤثرة، ما يضفي على صلوات الفجر والمغرب والجمعة طابعًا خاصًا يجذب أعدادًا كبيرة من المصلين. ويبلغ هذا الجو الإيماني ذروته خلال شهر رمضان الكريم، حيث يتحول المسجد إلى قلب نابض بالعبادات، فتقام فيه صلاة التراويح، وتكثر فيه سنة الاعتكاف، وسط أجواء من السكينة والاطمئنان.

ولا يقتصر دور المسجد على أداء الصلوات فحسب، بل يمتد ليكون مركزًا مهمًا للأنشطة الدينية والتعليمية، إذ تُنظم فيه حلقات لتحفيظ القرآن الكريم للصغار والكبار، بالإضافة إلى دروس أسبوعية في الفقه والتفسير والسيرة النبوية. كما يستضيف المسجد خطبًا دينية مؤثرة، من بينها خطبة ألقاها الشيخ سلامة عبد الرازق بعنوان "الأمل حياة"، والتي تناول فيها أهمية التمسك بالأمل في مواجهة الضغوط اليومية، ولاقت تفاعلًا واسعًا من الحضور.

ويقدم المسجد لزواره تجربة متكاملة تجمع بين الروحانية والاستكشاف الثقافي، ما يجعله وجهة مميزة للراغبين في التعمق في العمارة الإسلامية والتعرف على مظاهر الحياة الدينية في صعيد مصر. فهو يتجاوز كونه مكانًا لأداء الصلوات، ليصبح فضاءً ثقافيًا حيويًا يعكس نبض المجتمع وحيويته. كما أن قربه من المدينة الجامعية لجامعة المنيا جعله ملتقى للطلاب لأداء الصلوات وحضور الأنشطة الدينية، مما عزز دوره كمركز ديني وثقافي في محيطه الأكاديمي.

وهكذا يظل مسجد صلاح الدين مركزًا روحانيًا نابضًا بالحياة، يساهم في بناء الوعي الديني، ويحتضن المجتمع في مناسباته المختلفة. بتصميمه المتوازن، وأنشطته المتنوعة، وأجوائه الروحية الهادئة، أصبح علامة بارزة في مدينة المنيا، ومكانًا يحتل مكانة خاصة في قلوب أهلها وزوارها على حد سواء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللي اختشوا ماتوا" مثل شعبي ارتبط بحادثة الحريق في حمام السلطان اينال

كتبت فرح بهاء: حمام السلطان إينال، من أقدم الحمامات الشعبية في القاهرة، حيث يبلغ عمره حوالي ٧٠٠ عام، ليبقى دليلًا على جمال العمارة في ذلك الوقت، وعادات اجتماعية قديمة اعتادها الناس منذ زمن بعيد. يقع حمام السلطان الأشرف إينال بجوار المدرسة الكاملية في منطقة الجمالية بشارع المعز، ويُعد واحدًا من أهم المعالم الأثرية في القاهرة. بناه السلطان إينال عام ٨٦١هـ / ١٤٥٦م، واستلهم تصميمه من الطراز العثماني الذي كان يُعتمد في بناء الحمامات التقليدية، والتي كانت ترمز إلى الرفاهية والاسترخاء. بدأ السلطان الأشرف إينال حياته في مناصب صغيرة حتى وصل إلى قيادة الجيش في عهد السلطان جقمق، ثم سنحت له الفرصة لتولي حكم مصر بعد خلع السلطان المنصور عثمان بن جقمق. تميّز إينال ببعض الصفات الجيدة، مثل حرصه على تطبيق الشريعة فيما يخص أحكام القتل، وعدم ميله للتملق، لكنه كان أميًا لا يجيد القراءة، حتى إنه لم يكن قادرًا على قراءة الفاتحة، وكانت صلاته سريعة. شهد عصره اضطرابات عديدة، حيث واجه سبع ثورات داخلية بسبب سياسته التي اعتمدت على تعيين المماليك الكبار في السن، الذين عرفوا بتمردهم وفسادهم، على عكس الحكام ال...

المعز: شارع أثري في القاهرة القديمة يضم أكثر من ٢١٥ أثر إسلامي

  كتبت منة الله هاشم: يحمل شارع المعز لدين الله الفاطمي بين جنباته أكثر من ألف عام من الحضارة الأسلامية ليشكل وجدان شعبه، باعتباره أقدم وأطول شارع في العالم تزينه جواهر المعمار الإسلامي، كما يعد أكبر متحف إسلامي مفتوح في العالم ويوجد به حوالى ٢١٥ أثر إسلامي هام ويمتد شارع المعز من باب زويله بالدرب الاحمر مرورًا بالغورية وشارع الصاغة ووصولًا الى باب الفتوح بالجمالية.  يطلق أيضًا على شارع المعز اسم الشارع الأعظم أو بين القصرين أو قصبة القاهرة أو قصبة القاهرة الكبرى، فهو قلب مدينة القاهرة القديمة، يُعد الشارع حاليًا متحفًا مفتوحًا يضم مجموعة من آثار مدينة القاهرة الإسلامية في الفترة من القرن العاشر حتي القرن التاسع عشر بعد الميلاد، فضلاً عن الثراء المعماري وتنوعه بين العمارة الدينية والسكنية والتجارية والخيرية والعسكرية، يقع الشارع داخل نطاق القاهرة التاريخية التي تم إدراجها على قائمة مواقع التراث العالمي عام ١٩٧٩م. يضم الشارع نحو ٣٥ أثرًا إسلاميًا من مختلف العصور منها الفاطمي والمملوكي والعثماني، كما تضم الشوارع المتفرعة منه نحو ٤٣ أثرًا. تتنوع هذه الآثار بين القصور والمنازل وال...

كنوز المتحف القبطي.. ستة عشر ألف مقتنى بترتيب زمني دقيق

  كتبت: منة الله هاشم يُعد المتحف القبطي بمثابة نافذة فريدة على تاريخ المسيحية في مصر، فهو أكبر متحف للآثار القبطية في العالم، وقد تم افتتاحه في سنة ١٩١٠. يضم المتحف مجموعات متنوعة ونادرة من الفن القبطي، الذي يحكي قصة امتزاج الفن المصري بالروح المسيحية، ويقع في قلب منطقة مصر القديمة، وتحديدًا داخل أسوار حصن بابليون، وهي منطقة تاريخية تحتضن بين جنباتها معالم دينية تمثل مختلف الأديان. بدأ تأسيس المتحف في زمن الفرس، لكن أُجريت عليه العديد من الإضافات في عهد الإمبراطورين الرومانيين أغسطس وتراجان، ثم استكمل الإضافات من جاء بعدهم من أباطرة الرومان. وقد لعب العالم الفرنسي "ماسبيرو" دورًا هامًا في نشأة المتحف، حيث عمل على جمع أعمال الفن القبطي وتخصيص قاعة لها داخل المتحف المصري. وبعد ذلك، طالب مرقس باشا سميكة عام ١٨٩٣م بأن تضم مجموعة الآثار القبطية إلى اهتمامات لجنة حفظ الآثار والفنون، وجاهد طويلاً حتى تمكن من إقامة المبنى الحالي للمتحف الذي افتُتح عام ١٩١٠، وعُيّن هو أول مدير له. أُنشئ المتحف على أرضٍ تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المشرقية، وقد أهداها له البابا كيرلس الخامس، وكا...